الطَّيِّب صَالِح وجه السّودان الرّقيق

الطَّيِّب صَالِح وجه السّودان الرّقيق

أجزم أنّ ليس أحدٌ منّا قد استمع إلى أحاديثه المُمْتِعَةٌ على أثير الإذاعة الْبرِيطَانِيَّةِ، أو أيًّ منّا يعرفُ أنّه كان من النّخبة الّذين نقلوا مراسم تتويج الملكة إليزابيث الثَّانِيَةِ،

و إنّ موقعه كان أهم موقعٍ في قلب الكنيسة ، لكن لا أجرؤ على القول أنّ واحدنا لم يقرأ روايتهُ الشّهيرة (موسم الهجرة إلى الشّمال) أو سَمِعَ بها أو سمِع بكاتبها على أبعد تقدير.

طفولته و شبابه :

في قرية (كَرْمَكوْل) شمال السّودان، في عام (١٩٢٩) وُلِدَ الطَّيِّب صالح، كان أبواه قد رُزِقا بمولودَين سرعان ما ماتا عن عمرٍ صغير، و إن (الخضر) بشّر أمّه بأنّها ستضع ولداُ وتسميّه (الطَّيِّب)، فاتخذت منه اسماً عسى أن يُكتبَ له العَيْشَ و لا يلتحق بأخويه.
ظلّ مشدوداً إلى مسقط رأسه الّتي كان يراها أيّنما التفتَ و يشعر بها كيفما وقف، فأسهمت بشكلٍ أو بأخر في تشكيل بناءه الرّوائي البديع.
بدأت بينه و بين اللّغة الإنْجِلِيزِيَّةَ علاقةٌ حَمِيمِيَّةٌ وصلةٌ نفسيّة أثارتْ قواهُ وملكت قلبهُ، في حين كان حلمه يتركز إلى كلية الزّراعة، رغم أن ميله اتجاه الآداب الإنْسانِيَّةِ كان مستفيضاً حاضراً، إلّا أنّ الزِّرَاعَة بدت له أمراً في غاية الأهمّيّة، التحق بكُلِّيَّة العلوم في العاصمة الخرطوم ليدرس الزِّرَاعَة، لَكُنَّها أرهقتهُ في التقاط الجنادب والفئران ، الأمر الّذي أثار نفوره واشمئزاز نفسه، فقطع دراسته الجامعيّة وانتقل لتَدْرِيس اللّغة الإنْجِلِيزِيَّةَ.

أعماله و أدبه :

ولكن حينما قرر العودة إلى الجامعة ليكمل دراسته في كُلِّيَّة الآداب، فاجئهُ إعلانٌ قلب حياتهُ رأساً على عقب، فهيئة الإذاعة البرِيطَانِيَّةِ (BBC) تطلب مذيعِين سودانيِين، فدخل الإذاعة من أوسع أبوابها، إلّا أنّ هذا الفتى الّذي لم تكن الإذاعة في خاطره حتى وقتٍ قريب حقق ما لم يبلغهُ سِوى قلةٌ من القلائل، و صار الصّوت الدّافئ السّحريّ الذي يشدّ الأذن والقلب معاً .

جئتُ إلى بلدٍ لم أكن أرغبُ فيه لأعمل عملاً هو كذلك ليست ليّ رغبةٌ فيه ، تركتُ الأهل والأحباب والدور الفسيحة، والتّواصل الاجتماعي لأجد نفسيّ داخل غرفةٍ صغيرة برودها لا يطاق ، في بلدٍ غريب بين قومٍ غرباء.

استلم رئاسة دائرة الدراما في القسم العربي، وأستاذاً في الفن الإذاعي بمدرسة الإذاعة التابعة لهيئة الإذاعة البرِيطانيّة، وفي عام (١٩٧٤ ) قدم استقالته، وشغل منصباً رفيعاً في وزارة الثقافة القطريّة، ومديراً إقليميّاً لمنظمة اليونسكو في باريس، تزوج من الأسكتلندية جوليا ماكلين، وأنجب منها ثلاث بنات.
اُختيرت روايته (موسم الهجرة إلى الشّمال) ضمن أفضل مائة عملٍ في التّاريخ الإنسانيّ، إلّا أنّه تمَّ استبعادهُ من جائزة نوبل ومُنِحَت للأديب المِصرِيُّ نجيب محفوظ، فالمكانةٌ الّتي تبوأها باِقتدار، و أعماله الرّوائيّة الّتي نُشرت و تُرجمت إلى تسع عشرة لغةٍ حيّة، إلّا أنّه لم يكن لَدَيهِ أيّ إحساسٍ بأهَمِّيَّة ماكتب، و قصيدةٌ للمتنبي عنده بكلِّ ما كتب و حرر .

لا أقترب أبداً مما يسمى بالصّالونات الأدبيّة أو اتحادات الأدباء ، أنا شخص على الهامش و هذا الوضع يريحني كثيراً ، أنا عابر سبيل حياتي كلها صدفة.

طارق محمد شاعر و كاتب