العثور على الفردوس المفقود بواسطة تلسكوب!

غلاف الفردوس المفقود لجون ميلتون

دائمًا ما كنت أتساءل: هل العلم والأدب يلتقيان؟ في عجلة الإجابة بكل تأكيد ستكون: لا! ولكن بعد التركيز في العناصر ستجد العامل المشترك بينهما في سهولة، وهو الخيال!

الأديب يسيطر عليه الخيال فيحوِّل أفكاره إلى مواقف وشخصيات تعبر عنها، وكلما تَقدمت -كقاريء- بالعمل الأدبي أدركت وجهة النظر التي أنبتها الأديب بين دفتي كتابه. 

العالِم دائمًا ما يحتاج إلى المزيد من المعرفة، وحين تبلغ المعرفة نهايتها في الطريق الذي قد سلكه يلجأ إلى الخيال؛ ليدعمه بالنظريات والمعادلات الرياضية.

في هذه التدوينة، لن أعرض المخترعات والاكتشافات التي عَبَرت من خلال عقل أديب قبل أن تصل إلى ذِهن عالِم، قد يكون ذلك في تدوينة أخرى، ولكنني سأبرز التقاء عالمي الأدب والعلم عن طريق لقاء عابر بين رجلين في مدينة إيطالية.

لوحة رسمها تيتو ليسي ليصف اللقاء الذي جمع جاليليو جون ملتون
جون ملتون يقابل جاليليو جاليلي

فلورنسا 1638م

غرفة ضيقة يحتل جزءً صغيرًا منها بجسده النحيل، رجلٌ عجوزٌ تجاوز السبعين، حُددت إقامته من قِبَل الفاتيكان بعدما اتهمته هيئة الأساقفة بالهرطقة، والسبب يرجع إلى ادعائه بأن الأرض ما هي إلا كوكب يدور حول الشمس، وبذلك عزل الأرض من موقعها كمركزٍ للكون، إنه جاليليو جاليلي بالطبع.

رغم كون كوبرنيكوس صاحب السبق في تلك النظرية، ولكن جاليليو هو من أثبت صحتها بالملاحظة والنظر من خلال التلسكوب، والذي كان من صُنع يديه.

فإنْ كان كوبرنيكوس هو الذي حرَك المياه الراكدة، فإن جاليليو جاليلي هو الذي صنع الموجة القوية التي أزاحت المياه القديمة، لتنطبق مقولة أنك لا تنزل إلى نفس النهر مرتين.

في تلك الفترة، كان أساقفة الكنيسة يتتبعون ما يُنشر من نظريات ودراسات؛ ليقارنونها بتعاليم الكتاب المقدس، فإن كانت تتفق، تمُر، أما إذا كانت في اتجاه مختلف، يتعرض صاحب تلك الأفكار للمحاكمة لينال جزاءه، وهذا ما حدث مع جاليليو، خالفت أبحاثه الدين – في نظر الفاتيكان- فوجب عليه الحكم بالسجن ثُم خُفف ليصبح إقامة جبرية بمنزله في فلورنسا بدايةً من سنة 1633م.

نعود إلى الغرفة السابقة، بينما جاليليو يحاول مواجهة عزلته إذا بزائر يطلب لقاءه، كان شابًا إنجليزيًا، يرغب بمقابلة جاليليو لعله ينال قبسًا من فكره المستنير، لم تكن الزيارة الوحيدة، فقد قام الشاب بمقابلة جاليليو عدة مرات أثناء وجوده في فلورنسا، لا أحد يعلم ما دار من حوار بينهما، ولكن كل ما تبقى لنا هو اللوحات التي تصور لقاء الشاعر جون ملتون بالعالِم جاليليو جاليلي.

وقد كان ملتون شاعرًا، وسياسيًا. تعتبر رحلته إلى فلورنسا من النقاط الهامة في حياته، فقد أثرت شغفه للعلم والفن، وقد تكون أحد الأسباب المؤثرة التي دعته لتأليف ملحمته الشعرية الأشهر: “الفردوس المفقود”.

الفردوس المفقود

تتناول الملحمة قصة هبوط آدم وحواء إلى الأرض وفقدانهم لجَنّة عدن، وإن كان ظاهرها دينيًا، ولكنها تحمل في طياتها الكثير من الأفكار والقيم التي يؤمن بها جون ملتون.

ما وجب التطرق إليه هو ذكر ملتون لجاليليو في ذلك الكتاب، حيث أشار إليه حين تحدث عن القمر، والذي رآه من خلال “مشاهدات فنان توسكانا”، توسكانا هي إقليم في إيطاليا، عاصمتها فلورنسا حيث ينتمي جاليليو.

العثور على الفردوس المفقود بواسطة تلسكوب!
الصفحة التي تتضمن ذِكر ملتون لجاليليو

الاختيار والإرادة الحرة هي أبرز القيم التي يؤمن بها ملتون، ولذلك بنى عليها ملحمته، فحين قام الشيطان بإغواء حواء، وضَّح الشاعر أن آدم كان يستطيع تجنب الوقوع في الخطيئة، ولكنه في النهاية سقط بإرادته.

كذلك حين اختار ملتون تأييد الجمهوريين في الحرب الأهلية الإنجليزية، كان ذلك بملء إرادته، فانضم إلى الصف الذي يؤمن بأفكاره، انتصر بانتصاراتهم، وخاب أمله بعد عودة الحكم الملكي وتحول إلى ثائرٍ مهزومٍ.

 بعد وسوسة الشيطان، قد يكون الفضول هو الذي دفع حواء للأكل من الشجرة المحرمة، ولذلك يُعتبر الخطيئة الأولى التي تسببت في فقدان الفردوس السمائي. ولكنها الخطيئة التي هبطت مع آدم وحواء إلى الأرض؛ لتدفعهم نحو المزيد من المعرفة، وتؤسس أركان الفردوس الأرضي.

نقاط التقاء

  • كلٌ من جاليليو وملتون أصيب بالعمى.
  • كلٌ منهما  كان ثائرًا في مجاله، جاليليو ثار على نظريات أرسطو التي تتفق معها الكنيسة، وملتون ثار على النظام الملكي.
  • كلاهما تعرض للسجن، جاليليو خففت عقوبته بتحديد إقامته بمنزله، وملتون سُجن لفترة ببرج لندن.
  • كلٌ منهما نظر إلى السماء، جاليليو تابع حركة الكواكب من خلال تلسكوبه، وملتون عثر على فردوسه المفقود  حين راقب السماء بواسطة تلسكوب جاليليو!

حازم أشرف كاتب محتوى

كاتب محتوى ومسوق إلكتروني.