اللعب بخرافة الإثم

اللعب بخرافة الإثم

أي غرض كان يستهدفه الأداء الراقص لسعاد حسني في أغنية “بانوا بانوا” من فيلم “شفيقة ومتولي”؟ .. أتحدث عن الرقص في حد ذاته على ألحان كمال الطويل معزولًا عن كلمات صلاح جاهين وإن كان مستعملًا لموضوعها .. لم تكن تلك الرقصة دعمًا للعقاب الهازئ الذي تمارسه شفيقة تجاه “الوجوه الغادرة” بواسطة الغناء، أو رثاءً حركيًا للذات استغلالًا لذلك العقاب المنغّم، أو محاكمة توسلية ضمنية للقدر باستعراض الجسد المنتهك في صورة ما أصبح وظيفة روتينية له .. كانت الرقصة احتفالًا سريًا لسعاد حسني بجسدها خارج مثاله الأبوي .. بما يتجاوز هذا الجسد ويجعله الجسد الأنثوي في ذاته .. المثال الذي لا يتراجع عن موضعة جسدها وتعيين حدوده .. بالضرورة لم يكن تجهم ملامحها أثناء الرقص تعبيرًا عن الألم التراجيدي المتعلّق بالفيلم نفسه، وإنما بالغضب الوجودي من مطاردة خرافة الإثم لجسدها .. كانت سعاد حسني تلعب في رقصتها بتلك الخرافة كطقس يخص عمق علاقتها بهذا الجسد .. طقس تؤكده عيناها الشاردتين في تأمل مستقل لتفاصيلها الحسية المجرّدة من الوصايا حيث يغيب الجسد اللاعب عن الفضاء المتعيّن من حوله، ولكنه لا يتوقف برقصاته عن الإشارة إليه.

في مقالي “الحياة كوباء عند عبد الهادي الجزار وسرن كيركجور” تناولت اللعب الجدلي مع القدر، الإثم، الخلاص، أو ذلك الاندماج السحري في لوحات عبد الهادي الجزار الذي يعادل ما كان لدى كيركيجور بين الأوهام المتنافرة للطمأنينة والخلود .. يمكن لنا الآن أن نقارن رقصة سعاد حسني في “بانوا بانوا” بالرقصات المضمرة للنساء في لوحات عبد الهادي الجزار كـ “الكورس الشعبي” مثلًا، لكن جسد سعاد حسني في تلك الرقصة كان ينثر أيضًا غبار العقاب والتطهر عن ذاكرته .. يثبّت نوعًا من اللامبالاة الشبقبة التي تنبئ بعدم انشغاله بالمحظور سواء كان تماديًا مقصودًا في انتهاكه أو كفاحًا مُعطلًا للخضوع إليه .. كانت رقصة غير معنيّة بالشر المطلق حيث جسد سعاد حسني لا يحدّق إلا في نفسه.

إن الأمر لا يتعلق بمساءلة الإبهام المرتبط بالخطيئة بقدر استعمال الرقص للعودة إلى ما يسبق سلطة الاعتراف .. ما يسبق مطالبة الجسد ـ كموضوع للذنب ـ بالتناغم مع شروط المقدس .. ليس سعيًا نحو استرداد بدائية غيبية وإنما كتقويض لما يحتجز البراءة الشهوانية للجسد في صياغاته الانتهازية .. لذا كان من المنطقي ألا تكون نهاية المسار الراقص لخطوات سعاد حسني في تلك الأغنية هي اللحظات الأخيرة من فيلم “شفيقة ومتولي”، وإنما جثتها الممددة فوق أرض الشارع أسفل شرفة عالية.

https://mamdouhrizk0.blogspot.com/

ممدوح رزق كاتب