لماذا تفشل محاولات التغيير والتطوير الذاتي؟

  • 0
  • 2٬672
لماذا تفشل محاولات التغيير والتطوير الذاتي؟

التنمية الذاتية هي من الكلمات التي نسمعها أينما التفنا هذه الأيام.

 يبدو أن الزمن الصعب الذي نمرّ به يشعل ناراً داخلنا تدفعنا لمحاولة تحسين أنفسنا وتغيير حياتنا للأفضل بوجه كل الظروف. رغم ذلك، ورغم توافر آلاف الكتب والحسابات الرقمية والنصائح التي تتحدّث عن تقنيات و”أسرار” تطوير الذات، غالباً ما تفشل محاولاتنا في هذا المجال خلال فترة قصيرة.

أمام هذا الفشل، يفقد بعضنا الإيمان بإمكانية التغيير الشخصي ويصبح المجال بأكمله محط سخرية وانتقاد، فيما ينزلق البعض الآخر في مواجهة مريرة مع الذات لا تنمّي سوى الخيبة والغضب. من أين يأتي هذا الفشل؟ هل تغيير الذات هو أمر ممكن في الأساس أم هو مجرّد موضة عصرية غير واقعية؟

هذا ما نريد أن نتحدّث عنه اليوم. إن كنتم تفضّلون الاستماع لهذه الأفكار بدل القراءة، تحدّثنا عن نفس الموضوع في الحلقة الأخيرة من البودكاست الخاص بنا في سلسلة الدرب البربرية.

إن كنتم بصدد القيام بتغيير ما في حياتكم وتريدون تجنّب فشل هذه المحاولة، هذا المقال لكم.

كالعادة، الحقيقة ليست معقدة. فشل محاولات التطوير والتغيير الذاتي يحصل لهذه الأسباب:

  • انتظار الظروف الخارجية المناسبة

يعيش جيلنا في ظروف حياتية صعبة للغاية وخاصة في العالم العربي. هنالك عشرات العقبات الاقتصادية والسياسية والمعيشية والاجتماعية والثقافية والكونية حتى، التي تقف بيننا وبين الحياة التي نريدها.

أمام هذا الواقع، يصاب العديدون منا بإحباط وجوديّ عميق يظهر نفسه لنا على أنه قبول عقلاني للواقع.

في الممارسة، يعني ذلك أننا سنسمح لحياتنا بالانسلال من بين أناملنا فيما نحن ننتظر تغيّر الظروف: تغيّر النظام السياسي، تغيّر وضعنا الاقتصادي، تغيّر القيود الاجتماعية، تغيّر شيء ما ليس ضمن نطاق أفعالنا وسيطرتنا.

من الطبيعي في هذا الظرف أن نعتقد أيضاً أن تطوير الذات وتغيير العادات السيئة وتعلّم مهارات جديدة هو رفاهيّة محصورة بالسويديين وسكان المجتمعات الأسطورية الأخرى ولا تناسبنا نحن أبناء الشرق الحزين.

ليس من السهل أن نبني ذاتنا فيما نشعر أننا محاصرون بانهيارات وسلاسل من كل جهة، لكن هذا هو التحدّي الذي أعطتنا إياه الحياة ولا يوجد مهرب منه.

الانتظار لا يساعدنا بشيء، وربط حياتنا الداخلية بظروف خارجة عن إرادتنا هو أسوأ خطيئة يمكن أن نقوم بها بحق أنفسنا.

ذاتنا هي الشيء الوحيد الذي سنحمله معنا في كافة الظروف، في الحرب والسلم، في الحب والعمل، في الوطن والمهجر، فلماذا نريد أن نضعها في قائمة الانتظار لأجل غير مسمّى؟

ما المشكلة في صقل هذه الذات وتنمية مهاراتها ومناعتها وجمالها وجعل أنفسنا أفضل ما يمكن أن يكون؟

علينا أن نقبل حقيقة أنه لن يكون هنالك في أيّ يوم من الأيام، ظروف خارجية مناسبة للبدء بالعمل على أنفسنا وبناء ذاتنا التي نريد. الظروف الوحيدة التي نحتاجها للبدء بمشروع من هذا النوع هي تلك الموجودة داخلنا، فلماذا الانتظار؟

لماذا تفشل محاولات التغيير والتطوير الذاتي؟
  • الاعتماد على الرغبات والذهنيات

معظم أدبيات التنمية الذاتية لا تتحدّث سوى عن الحوافز (motivation) والذهنيات (mindset) كركيزتان أساسيتان في أي عمليّة تغيير.

المشكلة هي أن الحوافز قائمة على الرغبة، والذهنيات قائمة على الأفكار، وكلّاً من الرغبات والأفكار هي موجات مؤقتة وعابرة فينا.

الرغبات كما كل عاطفة، هي متغيرة ومتحولة ومتموّجة، تقوى وتخفّ مع الوقت من دون تدخّل كبير منّا. الأفكار هي الأمر نفسه: هل حاولتم التأمل لمرة وشاهدتكم كمية الأفكار التي تمرّ على الذهن في الدقيقة الواحدة؟

كيف يمكن إنشاء تغيير حقيقي على رمال متحرّكة من هذا النوع؟ الجواب هو لا يمكن.

ربّما غالبية محاولات التغيير الذاتي تفشل لهذا السبب تحديداً: تخبو الرغبة بعد فترة قصيرة، أما الذهنيات فمعدّل حياتها داخل رأسنا هو بضعة دقائق فقط، أي بعد قراءة مقال ما، ونادراً ما تستمرّ أكثر من ذلك.

المشكلة هي أن العديد من أدبيات التنمية الذاتية لا تدرك ذلك وبدلاً من الاعتراف بهشاشة الحوافز والذهنيات، تحاول حلّ المشكلة بالمزيد من الحوافز والذهنيات.

حين يفشل ذلك أيضاً، تدعو بعض هذه الأدبيات لخوض صراع مع الذات من أجل الحفاظ على الحوافز والذهنيات كما هي. يظهر ذلك على شكل عقيدة “الإيجابية”: أي محاولة رفض ونفي كل إحساس أو فكرة سلبية تأتي إلينا، خوفاً من قيامها بإطاحة الرغبات والذهنيات التي نحاول تثبيتها.

النتيجة الوحيدة لهذه العملية هو صراع مرير مع الذات ينتهي بالهزيمة لأن الرغبات والأفكار هي كالنهر، لا يمكن إيقافها – يمكن مراقبتها فقط، والإيجابية ليست سوى محاولة لبناء سدّ سينفجر بوجهنا.

إن لم تكن الحوافز والذهنيات كافية للقيام بتغيير، ما الذي يمكننا أن نعتمد عليه إذاً؟ سنجيب على هذا السؤال في نهاية المقال، لكن قبل ذلك فلنتحدّث عن مشكلة أخرى.

  • عدم معالجة جذر المشاكل والعادات  

حين نقرر التغلب على عادة معيّنة غالباً ما نحاول التخلّص من الممارسة الخارجية لها: مثلاً تناول طعام غير صحي بكثرة.

نقطع وعداً على أنفسنا بأننا سنتوقّف عن عاداتنا السيئة ثم ندخل بصراع مرير معها. في الكثير من الأحيان قد نتغلّب عليها لأسابيع أو أشهر قبل أن تعود أقوى من قبل. هنالك سبب لذلك.

العادات ليست المشكلة: العادات هي فقط الشكل الخارجي لمشكلة أعمق.

كل عادة موجودة في حياتنا هي شيء يقوم بوظيفة محدّدة. تتعدّد وظائف العادات من مجرّد تمضية للوقت إلى ردّة فعل تكيّفية على شيء ما. يمكن إرجاع معظم العادات لظاهرة من اثنين: محاولة إبعاد الألم، محاولة الحصول على المتعة.

في الواقع، معظم السلوك البشري يمكن فهمه من خلال هذه الدينامية التي تعرف في بعض المدارس الروحية باسم عجلة الوجود. كل عادة في حياتنا وخصوصاً السيئة منها هي إما تساعدنا على التخلّص من الألم أو الحصول على المتعة، وفي بعض الأحيان الاثنان معاً.

كل عادة هي إدمان: إدمان على الأحاسيس الفيزيائية والعصبية والعاطفية التي نحصل عليها من ممارستنا للعادة. للتغلّب على إدمان من هذا النوع علينا أن نعالج السبب الذي أوجده، لا الإدمان وحده.

 إن لم نعالج السبب، حتى ولو تغلبنا على العادة الأولى، ستظهر في حياتنا بعد فترة عادة أخرى لتقوم بنفس الوظيفة وملأ الفراغ الذي تركته العادة السابقة.

إن أردنا تغيير حياتنا حقاً، علينا أن نسبر أغوارنا عميقاً للتعرّف على مصدر العادة التي نريد التعامل معها: هل هو ألم، خيبة أمل، صعوبة معينة، ظرف طويل الأمد نحاول التكيف معه، إدمان على شعور معين؟

علينا أن نواجه ذاك الألم ونتعامل معه ونشفى منه لكي يكون بإمكاننا التغلّب على العادة الناتجة عنه للأبد.

إلى ذلك، لا يجوز ترك فراغ مكان العادات التي نتغلّب عليها: الإنسان كائن قائم على العادات، ونحن لا نتغلّب على العادات لنصبح صفحات بيضاء بل لنخلق عادات أخرى أكثر صحية وإيجابية على حياتنا. من المهم أن نتذكر ذلك.

لماذا تفشل محاولات التغيير والتطوير الذاتي؟
  • التغيير السريع والشامل

جميعنا نعلم السيناريو التالي، وهو يحصل عادة عند الصدمات العاطفية والمهنية ونهايات العام وأعياد الميلاد (حين ندرك أننا نكبر في العمر ولم نحقق أهدافنا بعد):

يقرّر الشخص أنه يريد تغيير كل شيء في حياته دفعة واحدة: الاستيقاظ الباكر والحمية الصحية والتمرين الرياضي والمهارات الجديدة والروح المرحة وكل شيء. يدوّن كل شيء في خطة محكمة ويبدأ في بداية الأسبوع بتطبيقها منذ الساعة السادسة صباحاً. تمتلأ الأيام الأولى بنشوة النصر وبفارق وجهد ملحوظان، لكن بالكاد تمرّ بضعة أيام قبل أن تبدأ كافة هذه العادات الجديدة بالتداعي واحدة بعد أخرى، حتى نعود إلى المربع الأولى بعد أسابيع معدودة.

هذا الاندفاع نراه بشكل خاص في الرياضة حين يقرّر الشخص أنه سيبدأ بالتمرين يومياً لساعة كاملة بعد سنوات من الخمول. النتيجة هي نفسها: الالتزام بالبرنامج الجديد لأيام معدودة ثم الانهيار.

هذه الطريقة بالتغيير قد تبدو جذابة لكن لا نتيجة لها سوى إنهاك الذهن والإرادة والجسد والجهاز العصبي في فترة قياسية، لدرجة أننا قد نتخلّى عن محاولات التغيير لسنوات من بعدها.

مواردنا الذهنية والجسدية محدودة، والقيام بتغيير جديد واحد يحتاج لصرف كميات مضاعفة منها، فكيف الأمر إن كنا نحاول القيام بعدّة تغييرات في وقت واحد؟

النصيحة الأهم لتجنّب هذا الخطأ هي ببساطة القيام بتغيير واحد على حدة، والبدء بهذا التغيير بشكل تدريجي لإعطاء الذهن والجسم فترة كافية للتكيّف مع الواقع الجديد، وعدم الانتقال لتغيير جديد إضافي إلا عند التأكد من تثبيت التغيير السابق.

  • الاستسلام المبكر

من المعلوم أن ثقافتنا تقوم على الإشباع السريع للحاجات حيث نتوقّع من كلّ شيء أن يحصل فوراً وبنقرة زر.

هذه الذهنية تسلّلت بقوّة إلى مجال التطوير الذاتي حيث بات الاعتقاد بسرعة التغيير شائعاً وباتت عناوين مثل “غيّر حياتك بثلاث خطوات” و”نصيحة واحدة ستجعلك رائد أعمال عالمي” هي مقالات حقيقية لها ناس يصدّقونها وليست سخرية ومزاح.

هنالك الكثير من انعدام الصبر في مجتمعاتنا العصرية، نريد أن ننجز كلّ شيء في بضعة أيام أو أسابيع، رغم أن مشروع ضخم بحجم بناء الذات هو أمر يستمرّ مدى الحياة.

هنالك أيضاً اعتقاد سائد بأن كل تقدّم نحققه في الحياة يجب أن يكون خطاً مستقيماً يتجه دائماً للأعلى، وغالباً ما نرتكب خطأ تطبيق هذه الذهنية على محاولاتنا بالتنمية الذاتية ثم نحبط حين نجد أن مشروع بناء الذات هو أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

في الواقع، كل محاولة تغيير سيكون بها صعود وهبوط، فترات نجاح وفترات فشل وفترات جمود. معظم الناس يتحمّسون في فترات النجاح الأولى ثم يستسلمون عند أولى ملامح الصعوبات والفشل.

الفارق بين النجاح والفشل غالباً ليس بسبب الفوارق في الذكاء أو المهارة أو القدرة بين الأشخاص، بل هو فارق في التوقيت: النجاح يحصل بسبب عدم الاستسلام عند الفشل.

لماذا تفشل محاولات التغيير والتطوير الذاتي؟
  • محاولة التغيير من دون تدريب أدوات الذات

حين نكون بصدد السفر برحلة بعيدة في السيارة، سنقوم بتفحّص سيارتنا للتأكد من قدرتها على القيام بالرحلة، كأن نحرص على أن يكون فيها وقود كافٍ وأن تكون حالتها الميكانيكية ومحرّكها وما شابه بحالة جهوزية جيدة.

إن كانت سيارتنا قديمة ولم نستخدمها منذ سنوات، سنتجنّب استخدامها للوصول إلى مكان بعيد وطويل والأرجح أنها قد تتعطّل في منتصف الرحلة إن حاولنا ذلك. لماذا نتعامل مع ذاتنا بطريقة مختلفة؟

إن أردنا أن نأخذ ذاتنا في رحلة طويلة إلى مكان طموح وبعيد، علينا أن نحرص على أنها مجهزة بالأدوات اللازمة للقيام بهذه الرحلة.

معظمنا يريدون تغيير ذاتهم من دون تدريب الأدوات الرئيسية للذات: الذهن، الجسد، والإرادة.

تحدّثنا سابقاً عن أن الرغبات والذهنيات غير كافية للتغيير، وهنا حان وقت الحديث عن الأداة الأساسية لذلك: الإرادة.

الإرادة هي القدرة على القيام بفعل – أو الامتناع عن الفعل – بوجه مقاومة، وهي لغز كبير في الإنسان لدرجة أنه هنالك مدارس فلسفية وروحية بأكملها تدور حولها.

المثير في لغز الإرادة هي أنها دائماً ما تدفعنا باتجاه الأفضل داخلنا. حتى علمياً، المكان المسؤول عن الإرادة في الدماغ هو الجهة الأمامية الأكثر تطوراً منه (pre-frontal cortex) وهو مختلف عن المكان المسؤول عن الرغبات وردّات الفعل وهو الدماغ البدائي (reptile brain)  الموجود في مؤخرة الرأس.

لحسن حظنا، التمارين الأساسية لتأهيل الذهن والجسد هي نفسها تمارين تطوير وتأهيل الإرادة: الرياضة البدنية، التأمل، والتدوين.

الرياضة البدنية هي تدريب للإرادة على القيام بفعل بوجه مقاومتنا، لأن ذهننا وجسدنا غالباً ما يكونوا بحالة مقاومة للتدريب ولفكرة التدريب كلما أقدمنا عليه.

التأمل هو تدريب للإرادة على القيام باللافعل بوجه مقاومة، لأن ذهننا وجسدنا غالباً ما يقومون أيضاً بمقاومة ذلك وحثّنا للقيام بفعل ما أو بأي شيء باستثناء التأمل.

التدوين هو تدريب لقراءة الانعكاس بين الإرادة والواقع ولفعل الإرادة في العالم، لأنه تدريب على إخراج الديناميات اللاواعية إلى مجهر الوعي وتحليلها وفهمها وقياسها.

هذه التمارين مجتمعة تصقل جسدنا وتقوّي ذهننا وتنمّي إرادتنا بشكل نصبح فيه أكثر قدرة على القيام بتغييرات أكبر في المجالات الأخرى من حياتنا.

لماذا نريد تغيير الذات؟

غالباً ما نتعاطى مع تطوير الذات كأنه لائحة تسوّق شخصية لعادات وصفات نريد أن تكون موجودة فينا. هذا التوجّه يشوبه النقص لأن أي تحوّل ناتج عنه هو جزئي ومحدود.

إن أردنا بناء ذات جديدة فعلاً، علينا أن ننتقل من التفكير بتطوير الذات إلى التفكير بتجاوز الذات، لأن هذا ما يحصل حقيقة في الواقع: ذاتنا هي حالة دينامية تتغيّر وتتطور وتتبدل كل يوم.

الشخص القديم الذي كنا عليه منذ عدّة سنوات ليس موجوداً اليوم، ومن نحن عليه اليوم لن يكون موجوداً بعد سنوات من الآن.

ما نستطيع فعله هو أن نجعل من عملية التغيير هذه عملية واعية وأن نحدّد وجهة الرحلة بأنفسنا بدل أن نكون مجرّد مسافرين على قطار اختاره الآخرون لنا.

ما هو أهم من الصفات والعادات التي نريد أن نضيفها إلى أنفسنا هو السؤال التالي: من نريد أن نكون؟

الخيميائيين القدماء استعملوا تعبيراً لا يزال لغزاً بالنسبة لكثر اليوم: زعموا أنه لديهم القدرة على تحويل النحاس إلى ذهب.

الأمر ليس لغزاً إن فهمنا ما يقصدوه فعلاً:

الحالة الرئيسية لذاتنا الإنسانية هي أن نبدأ بالنحاس، نحاس رتيب باهت وغالباً ما يكون مشوّهاً بكدمات الحياة وصدأ الأيام، لكن إن أردنا حقاً، يمكننا أن نحوّل هذا النحاس إلى ذهب. وهذا هو جوهر مغامرتنا.

طوني صغبيني كاتب

مجرّد مدوّن أعيش الحياة بكل ما فيها من مغامرات شيّقة، وما اكتبه هو ببساطة الأفكار والأشياء التي اكتشفها على الطريق وأشعر أنها تستحق المشاركة. أركّز على مواضيع التنمية الذاتية، البساطة في الحياة، والتواصل مع البرية لأنها من المجالات الرئيسية لإكمال عملية نموّنا لكامل إمكانياتنا.