تقوى يوسف مهندسة معمارية

درسٌ مُستفاد: انتقِ معاركك!

  • 1
  • 0
  • في بدايات ٢٠٢٠ كنت أشعر بأن الحياة لم تعد تتسع، الكثير من المشاكل، الكثير من الواجبات، الكثير من التفكير، والقليل جدًا من الوقت، هذا كثير جدًا على شخص واحد، ورغم كل هذه الالتزامات والمعارك والمجهودات لم أكن مستمتعة بأي مما أقوم به، إنني فقط أجتاز الحاجز تلو الآخر دون أن أصل لخط نهاية!

    مع بداية الوباء والحجر كان هناك الكثير لأتعلمه، يمكنني أن ألخصه في جملة واحدة: “أن أنتقي معاركي

    نتبيه: ربما ستلاحظ في تجربتي كيف كان وباء كورونا خيرًا علي، علمني العديد من الدروس، لكن هذا لا يعني سعادتي به، أقدر حجم خسائر العالم، رحم الله موتاها وعجل شفاء مرضاها، لكنني هنا سأستعرض تجربتي وحسب.

    أولًا: المشاكل والجدال والنزاع

    بعد عام ٢٠١٩ المليء بالجدالات والصراعات أتت ٢٠٢٠ كخطوة للوراء، لا يهم أن يعلم العالم كم أنت شخص عظيم ولطيف، ولا يهم من كان المخطئ في آخر شجار، صراع إثبات أننا أشخاص جيدون أو أننا على حق لن يغير شيئًا، نحن البشر لدينا قدرة عجيبة على رؤية أنفسنا كضحايا، ورؤية الحق يشع من عينينا، ومع كل جدال ستصدم بالطرف الآخر ستشعر وكأنه يكذب، ينافق، لا يريد رؤية الحق، من أساء إليك يعلم هذا جيدًا وإن لم يكن يعترف بهذا فحتى بلاغة أرسطو لن تغير من رأيه شيئًا، أكبر انتصار تخرج منه بعد أي مشكلة هو الحد الأدنى من الخسائر، أن تكسب وقتك وجهدك وراحتك وعلاقاتك، وليظن الناس ما يشاؤون!

    تعلمت كيف أصغر المشاكل بدل تضخيمها، وأن أكثر الجدالات العقيمة يمكن إنهاؤها بمزحة أو كلمة طيبة، وأنه حقًا لا يهم.

    ثانيًا: التعليم الجامعي

    لا أزال حتى الآن عاجزة عن معرفة سبب إصراري العجيب في الأيام الجامعية على عدم تفويت محاضرات أعلم أن لا فائدة ترجى منها على المستوى العلمي أو الاجتماعي، وعن سبب تضييعي لوقت هائل في حفظ معلومات أعلم أنني سأنساها فور خروجي من الامتحان، أنا هنا لا أخبرك أن تترك محاضراتك لشرب فنجان من القهوة مع أصدقائك، أو لإكمال ال ١٢ ساعة من النوم، بل أن توجه هذه الأوقات نحو شيء أنفع، في هذه الأيام بحثت في نقاط الضعف والقوة لدي، بدأت بتفويت عدد من محاضرات “الأون لاين” التي غالبًا ما يكون تشويش الصوت مغالبًا لصوت المحاضر فيها، وقمت باستغلال الساعات التي كانت تضيع في المواصلات متسائلة لماذا اخترت الدراسة في جامعة بعيدة دون أخذ سكن جامعي وقمت بإضاعة ما يقارب ال ٣ إلى ٤ ساعات يوميًا في فعل لا شيء سوا التنقل بين المواصلات والعودة للمنزل منهكة من كل شيء!

    المهم في هذه الأوقات بدأت التركيز على نقاط ضعفي الحقيقية في المجال، وما يتطلبه سوق العمل، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الدراسة الذي يعينني على النجاح (ولا أنكر أن اعتماد نظام ناجح/ راسب في جامعتي قد حفزني على هذه الخطوة أكثر)، إضافة إلى ذلك بدأت بالبحث عن فرص تطوعية ومحاضرات في مجالات تثير اهتمامي، ولا يمكنني وصف حجم الفائدة التي كسبتها من هذه المبادرات.

    ثالثًا: كل المعارك معاركك لكن عليك أن تختار

    “عليك فقط أن تتعب في المدرسة لتحصل على التخصص الذي تريد وبعدها سترتاح” لكن عندما تفعلها “عليك أن تتعب في جامعتك لأنك تنافس عددًا هائلًا من الطلاب على فرص عمل محدودة”، وتستمر سلسلة عليك أن تتعب إلى أن تصل لل٧٠ متسائلًا متى سينتهي التعب وتبدأ حياتك!

    العمل والتعلم شيء مقدس لا جدال في هذا، لكن لا توجد في الحياة مرحلة تحضيرية لتتعب فيها، ثم تنعم بالراحة بعدها.

    أمضيت عمري بالدراسة طامعة بمستقبل أفضل، لكنني ومع الوباء والبعد عن الناس أدركت حجم الكارثة التي أحدثت، حجم الصداقات التي خسرتها ببرود وبطئ، كان هناك العديد من المكالمات العديد من اللقاءات التي رأيتها أولوية كبرى، صحتي التي كانت تنهار على مهل مع الإهمال وقلة النوم، كانت هناك الكتب التي ابتعدت عني والكثير الكثير، وكل هذا بحاجة لوقت مقدس بنفس قداسة وقت العمل أو التعليم.

    وجدتني ببساطة أعتذر عن لقاءات دراسية أو مجهودات إضافية، وأنا هنا لا أقول الواجب الأساسي إنما أتحدث عن المهام التي ليست لي وكنت أحملها عن غيري، أو مجهوداتي الإضافية التي كانت على حساب كل شيء، وكنت أظن أن هذا سيدفع الناس لكراهيتي أو لحقدهم علي، لكن ما فوجئت به كان العكس تمامًا لقد أخبرني العديد والعديد من الأشخاص بأن مزاجي هذه الأيام يبدو هادئًا، وأخبرني آخرون أنهم ربما لم يتعمقوا بمعرفتي سابقًا لكنهم الآن يدركون أنني شخص هادئ بمزاج جيد، نعم لقد كنت أبذل تجاه كل هؤلاء طاقة مضاعفة، لكنها كانت مصحوبة بالغضب والضغط والسخط وأحيانًا “النق والمن”، ولكنني أدركت أخيرًا أنها ليست معاركي وأنه ليس علي خوض معاركهم عوضًا عنهم، علي فقط أن أقدم اللطف والدعم، وأكون واضحة حين أقول: لا يمكنني مساعدتك.

    من الجميل أن تلعب الرياضة صباحًا وتكون الأول في جامعتك، وفي المساء تجتمع مع كل العائلة في أمسية لطيفة، ثم تقرأ كتابًا وتشاهد فيلمًا وتذهب للعشاء مع صديق، وتعمل على مشروعك الريادي الخاص، لكن هل بإمكانك حقًا فعلها؟ أؤمن بقوة هذه الأيام بأن المرء “أي مرء” لا يمكنه الحصول على كل شيء، وأن عليه أن يختار.

    رابعًا: أنت لست السوبر هيرو الخاص بأحدهم

    لو كان بإمكاني انتشال تلك من الاكتئاب، وأنت عبقري لماذا لا تدرس أكثر؟، وهؤلاء كيف يقبلون الظلم أو الإهانة، لقد كنت منشغلة بهموم من حولي فارضة نظريات لو طبقوها لنالوا الخير الكثير، لكنني اليوم أتساءل: هل حللت كل مشاكلي لأبدأ بحل مشاكل غيري؟

    بإمكاننا أن نكون لطفاء وداعمين لمن حولنا، لكننا لن نستطيع إنقاذ من لا يريد النجاة، بإمكاننا أن نساعد أحدهم، لكننا لن نحدث فرقًا في حياة من لا يريد أن يساعد نفسه، الحياة عادلة جدًا ومنصفة لأبعد حد، صدقني لا أحد منا في المكان الخطأ أو لا يستحق ما يحدث معه، لذلك من يهوي ومن يسقط ومن لا يبالي ومن يفشل عليه أن ينتشل نفسه بنفسه، فالسوبر هيرو لن يأت.

    بإمكاننا أن نكون لطفاء وداعمين لمن حولنا، لكننا لن نستطيع إنقاذ من لا يريد النجاة، بإمكاننا أن نساعد أحدهم، لكننا لن نحدث فرقًا في حياة من لا يريد أن يساعد نفسه، الحياة عادلة جدًا ومنصفة لأبعد حد، صدقني لا أحد منا في المكان الخطأ أو لا يستحق ما يحدث معه، لذلك من يهوي ومن يسقط ومن لا يبالي ومن يفشل عليه أن ينتشل نفسه بنفسه، فالسوبر هيرو لن يأت.

    ختامًا

    أرى أن المعارك تتناقص، والإنجازات تتزايد والسعادة تتزايد والتخبط يقل، الكثير من المعارك تبدأ من اللحظة التي تفتح فيها عينك على الحياة، لآخر ساعة من عمرك، كلها معارك، بعضها يستحق أن نحارب من أجله بكل ما أوتينا من جهد وقوة، والبعض الآخر لا يستحق أكثر من التفاتة ثم بعدها نمضي في حياتنا.

    تقوى يوسف مهندسة معمارية

    أن تتبع البرهان إلى حيث يقودك