نضال سليمان باحثة ماجستير قسم العقيدة والفلسفة

أفكار حول “فلسفة الفكر والموت في الإِيزوتيريك”

أفكار حول "فلسفة الفكر والموت في الإِيزوتيريك"

إن هذا العلم من أعظم العلوم التي اهتمَّت بجوانب الإنسان في جميع جوانبه البشرية والإنسانية الظاهرة والخفية على السواء، باختصار الإِيزوتيريك هو تطور الوعي حتى يصل المرء إلى مراحل أكثر تقدمًا في وعي غرائب وغموض الحياة، ويخبرنا علم الإيزوتيريك أن ثمة قسمًا غير مرئي في الكيان البشري، وهو يتمثَّل في مجموعة مكوِّنات غير منظورة اصطُلِح على تسميتها بالأجسام الباطنية الداخلية، أي أجهزة الوعي الخفية، وهي تتكوَّن من ذبذبات ذات درجة أرقى من الوعي المادي الحسي وذات سرعة تذبذب أعلى من سرعة تذبذب الإنسان.

أولًا- مكونات الوعي الإنساني:

في البداية يتكوَّن الوعي الإنساني من حواس باطنية دقيقة، وتكون وظيفتها، لو جاز التعبير، استقبال الطاقة الحياتية التي يتم جذبها من الطبيعة والحياة، ويتم توزيعها على جميع أجزاء الجسد والأجسام الباطنية، يتم الترحيل على هيئة شاكرا وهالة أثيرية، والشاكرا هي مركز تكوين الإنسان الباطني، والهالة هي الغلاف الجسدي المادي الملموس، فالشاكرا هي الروح وطاقة الإنسان الداخلية المكنونة في داخله، وبالإضافة إلى الاثنين فهناك بعد ثالث في الإنسان، وهو بعد غير مادي وغير ملموس، وهو المشاعر، ثم بعد ذلك ينضم إليها البعد الرابع وهو العقل، وهو أرقى وأسرع تذبذبًا من الأبعاد الثلاثة السابقة، وقد اتضح أنه مركز البعد العقلي الباطني، والدماغ ليس سوى هيكل عظمي منفِّذ لأوامره وحقل عمله.جسم الإنسان يحتوي سبعة أبعاد، الأربعة السابقة مضافًا إليها المحبة والإرادة والروح، وبذلك ينقسم الجسم الإنساني إلى بعد الوعي، وهو الذى يتكوَّن من الأجسام الباطنية، وهي أجسام عرضة للتغيرات، فهي تحتوي الازدواجية في المشاعر، السلبية منها والإيجابية، والتفكير الأرضي، أما البعد الآخر فهو البعد الروحي الذي يتكوَّن من البعد العقلي العلوي والمحبة والإرادة، وهي الجزء العلوي السامي المتصل بالألوهية، ولذلك فهي مركز الوحدة والثبات في الإنسان الداخلي وتحوي جميع الصفات الإلهية بحكم قربها، لكن يتعذَّر على البشر إدراك حقيقة الروح رغم أنها أسمى جزء في الكيان البشري، فغَريب أمر هذا الإنسان يملك كل شيء لكنه في الحقيقة يفتقر إلى كل شيء.

ثانيًا- أهمية العقل بين النفس والذات:

يخبرنا علم الإِيزوتيريك أن هناك جزءًا غير مرئي في الكيان البشري؛ هذا الجزء يتمثل في عدد من الجزئيات غير منظورة متعلقة بالوعي الخفي، وهي ذبذبات ذات درجة أعلى من الوعي المادي الملموس وذات سرعة أعلى، ولذلك فلا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، أولها هي النفس البشرية وهي المعرَّضة للتغيُّرات بخلاف المحبة والروح التي لا يعلوها تغيير، فهي ذات سمة عليا متصلة بالإله، وجسد الإنسان يتكوَّن من جسد وروح ويخالطها فيه بعض المكونات الباطنية الخفية لا يدري الإنسان نفسه عنها أي شيء، وهذا الكيان الباطني يحويه أيضًا جزء من الروح الإلهية والذات العليا والنفس الدنيا، ويعدُّ العقل هو الرابط بين النفس والذات أو بين الصفات البشرية والمميزات الإنسانية في الكائن البشري.

الذات تحتوي المعارف والعلوم والأسرار الباطنية المهمة، فهي ذات صلة بعالم الحقيقة والواقع حيث هو مقر المعرفة الشاملة والمحبة السامية ومصدر الأفكار العظيمة والاكتشافات والاختراعات والإبداع، ومتى ما اتصل الإنسان بذاته العليا سمع أكثر صوت وهو ضميره أو تكشَّفت له بعض الأسرار الباطنية، فالنفس هي القناع الداخلي غير المرئي؛ هي الشخص وواقع الحال، وحقيقة الذات أنها هي الإنسان الحقيقي؛ هي الأصل والحقيقة التي يعرفها القلة، فالنفس هي العرضة الأولى للتغيرات، لكن الذات هي الجوهر الإلهي الذي لا يمكن أن يطرأ عليه تغيير، فهي الجزء الإنساني العميق بداخلك، والنفس هي الجزء البشري المتغيِّر، والكائن البشري كيان مقدَّس يشتمل على كل ما في الوجود، وهو الذي يخطِّط لكل أفعاله ويتحكَّم في طريق حياته فيقود مصيره نحو مستقبل صريح وقوي.

ثالثًا-كيفية تفعيل الأفكار الواقعية:

الأفكار في البداية تأتي من طريقين؛ أولهما تفاعل الإنسان مع الفكرة المجردة نفسها والآخر تفاعله مع الواقع الملموس والنشاط الواقعي، إذ لا يمكن تفعيل فكرة في واقع ما دون دراسته ودراسة احتياجاته وامتلاك كل أدواته، وأننا كما نراعي الواقع فلا يمكن أن نستغني به عن ضرورة الانصهار مع الفكرة وجدانيًّا والتفاعل معها روحيًّا، ونحتاج أيضًا إلى الإيمان الحقيقي بالفكرة، فالإيمان هو الذي يجعل من الأفكار جزءًا لا يتجزَّأ من كيان الإنسان، ذلك الإيمان هو الذي يجعلها لا تتزعزع وجوهرها لا يختفي ولا يتغيَّر، وإذا ما حاولت قسوة الواقع تغيير تلك الأفكار فإنها تظل ثابتة صلبة في مكانها، عميقة بما يكفي كي تتمثَّل واقعيًّا في جوارح الإنسان ومحسوساته الذي لن يكون أمامه سوى الخضوع لروحه، ويتولَّد من الإيمان الحماس الشديد تجاه الفكرة فلن تتحرَّك ولن تخرج إلى الواقع إلا بوجود الحماس والقدرة الروحية ومهارة الأداء.ونحن لا يمكن أن نشرع في تفعيل فكرة ما في بيئة ما، دون مراعاة العوامل المكانية والزمنية والإنسانية، فهناك أفكار تكون صالحة في مكان ما، وغير صالحة في غيره، لذلك نحن في حاجة إلى دراسة الواقع بأبعاده الزمانية والمكانية والإنسانية وفهمه فهمًا عميقًا وواقعيًّا، وبعد الفهم والاستيعاب الجيد سيكون لا بد من التأقلم معها، وليس المطلوب هنا هو تصغير حجم الفكرة لتضاهي الواقع وإنما التأقلم، أي المرونة في الطرح، فأي فكرة في تصوُّرها النظري لن يتم تطبيقها واقعيًّا إذا خضعت لطريق الجمود، فالواقع يحتاج إلى كثير من المرونة والقابلية للتغير أحيانًا وللتنازل أحيانًا، لكن دون أن يضرَّ التنازل بقيمة الفكرة، وهنا نحتاج أكثر إلى الحكمة من أجل تقديم المصالح العليا دون إفراط أو تفريط، وهذه الحكمة تكمن في القيادة والإدارة الأساسية التي تعمل على إنجاح الأفكار.

رابعًا- النضوج الفكري واكتماله عمليًّا:

إن النضوج الفكري يتمثَّل في الاستقرار على فكرة ما دون عقلها وإدراكها فعلًا، والسعي الحقيقي لمطابقتها ومعادلة الزمن ومقارنته بها، فهناك من تراه مصرًّا على أنه امتلك كل الحقيقة ويفرض وجهة نظره، وهي وجهة على طريقة لا يقبل لها نقاشًا ويبرِّر صدقها جدلًا، فيضيق به جهلًا حين يخالف الناس ويبرز من عيونه الغضب قبل الحلم الذي ربما يدعو إليه ظاهريًّا، وهذا ليس إلا محاولة لاحتضان الدنيا واكتسابها مبكرًا وكأنه يقفز شوط كبيرًا وحقيقيًّا في الحياة، حتى تغلبه حاجاته وغرائزه وشهواته المكنونة، فلا يجد منها فرارًا وهروبًا، بل يستأنس لقيدها دون أن يشعر باستعبادها له، أو انعكاسها على تناقض بين السلوك والكلام الذي يطرحه، حتى يجد له مفرًّا بالتبرير حتى يأتي وقت تضيق به النفس من كثرة تزاحم المبررات لِمخالفاتها فتتَبلَّد المشاعر ويحدث الخطأ ولا نشعر أنه خطأ ونتخطَّاه ونكمل الطريق دون حساب وضمير متيقِّظ فقد أماتته الشهوات.أما المنهج الصحيح للفكر هو المصداقية والبعد عن الازدواجية الفكرية، إذ نحتاج أيضًا إلى عمل توازن بين الحكم والتفكير الصريح، فعدم التوازن بينهُما سيؤدي إلى الاستعجال والتسرُّع في تحقيق الأشياء المادية في الحياة وتغليب الأهواء والتعصب، وسيؤدي هذا إلى تشوُّه المعايير والأفكار الفطرية، وبعد فترة يقتل الإبداع ونحاول الاعتماد على المعايير التقليدية والتخلف الفكري، كفقدان الهوية والانكباب على منظومة تنموية تتسم بالتخلف وتوهم نفسها بالنهضة والتقدم، فالعجَالة الشبابية تحوِّله إلى مقلِّد سواء كانت الأفكار دقيقة أو غير دقيقة، ففقدان القيادة القوية للدولة أدَّى إلى فقدان الشباب لأهم مصادر التخطيط والدعم والتدبير، كل شاب له أحلامه وطموحاته التي تنشئها ظروفة والبيئة بعضها يتاح فعله والبعض الآخر قد يكون من سابع المُستحيلات فعلها وتُؤدي إلى ضياع العمر فيما ليس منه طائل.

خامسًا- بين الروح والنفس والعقل:

إن معرفة النفس من أحسن الطرق إلى التوحيد ومعرفة الله الأعلى والجوهر المطلق، وبقدر معرفة الإنسان لنفسه يُخرجه من دائرة الفاعلين الأوائل إلى دائرة الخالق، والغافل عن نفسه هو المنغمس في المادة الملموسة والطبيعة، لكن بمعرفته لنفسه يترقَّى إلى معرفة الماوراء ويتصل بالمعارف الإلهية ويتوَصَّل إلى معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا بقدر استعداده ومجاهدته، فمعرفة النفس هي معرفة الإنسان ومعرفة الإنسان هي معرفة الموحِّد، ومعرفة التوحيدالإلهي هي معرفة الواحد وهو الله (سبحانه وتعالى)، والموحد هو الإنسان، وهو ظهور الله الخالق تمامًا مظهر جماله وجلاله، وهذا له دور كبير في الاعتقاد بعد ذلك بحقيقة المبدأ والمعاد بعد الموت، فهو يعرف أين وإلى أين وجهته، لذلك يقول أولياء الله الصالحين إن من لم يطع الله فلا عقل له.وكما أن الروح هي النفس الأولى الناطقة، هي أيضًا المطمئنة وهي اللَّوامة والأمَّارة بالسوء، وهي الروح المندرجة باعتبارها مصدر الذهاب والمجيء، وأنها سبب الحركة في قضاء الحوائج وروح الشهوة باعتبار أنها شهوانية والبواعث التي تقتضي طاعة الله والإتيان بالحلال من النساء، وهي روح القدرة والإيمان باعتبار أن الإيمان والعدل والخوف من الله تعالى لا يتحقَّق إلا بها، وهي روح القدس باعتبار اتصافها بالقوة المقدَّسة التي تتجلَّى فيها كل نقاط الغيب وأسرار ملكوت الأنبياء والأوصياء والذي بسببها عرفوا الأشياء كلها وصاروا من أهل التعليم والبحث عن الإرشاد، فالنفس في وحدتها هي الوحيدة التي تملك كل القوى المكنونة والداخلية، والحق أن الإنسان له هوية واحدة، ذات نشأة ومقامات، وهي المدركة بكل ما هو منسوب إلى القوى الإنسانية، وهي التي تسمى بالقوى الناطقة.

سادسًا- حقيقة الموت ومفارقة الروح الجسد:

الموت هو نهاية لِلحياة الدنيا وانقطاع الإنسان عنها، وهو في الحقيقة ليس نهاية للروح الإنسانية وحياتها مطلقًا، بل هو انقطاع علاقة النفس بالبدن وانتقالها إلى عالم آخر تبقى فيه إلى يوم المعاد، ويشهد لبقاء الروح كثير من الدلائل والحجج، فكما قيل خلقتم للأبد وإنما تنقلون من دار إلى دار أخرى، قال النبي (ﷺ): “خلقت للبقاء لا للفناء”، فأَعظم سرور يحصل عليه المؤمن إذا نقل من دار الشقاء إلى النعيم السرمدي، فالأمر بالنسبة للمؤمن الحق كَحالة نزْع ثياب ملوَّثة بروث الدنيا، واستبدالها بأفخر الثياب وأطيبها، وللكافر كخلع ثياب الفخر إلى ثياب خشنة ورثَّة وينتقل هنا من دار النعيم إلى أرض العذاب، فالأمر يشبه الجوهرة التي بداخل الصندوق غير معرضة للأنظار، فإما تخرج دون تعب أو شقاء أو يعتريها السواد والعذاب فتخرجك للظلمات.

المكنونات الفطرية هي التي تهدي الإنسان إلى الحفاظ على ذاته وإكمال نفسه، فالدواعي الفطرية هي عقلية واجتهادية تأتي بهداية من الوحي والأديان السماوية فتقُود الفطرة بشكل صحيح لكي تعمل علي إصلاح النفس في الدنيا والآخرة وتزويدها أيضًا بالمكارم والسير في الطريق المستقيم ليس لكي ترقى الروح وتسمو فقط، وإنما لحصولها على السكينة النفسية والطمأنينة والتخلُّّص من سيطرة الخوف الفطري من الموت التي قد يشتِّت ويشوِّه كل الأفكار، فالأَمر أن الشخص في حاجة إلى فهم الدوافع الفطرية حول غريزة حب البقاء والهدف المطلق منه، ويحتاج أن يستمع للعقل الداخلي وحديثة المكنون، أي النفس العليا وهداية الوحي ويبتعد عن هوى النفس وعدم الهرولة إلى حب الدنيا واتباع الشهوات، فتتحول آماله من وهم الدنيا إلى آمال البقاء الحقيقي في الآخرة.وختامًا:كلما عرفت نفسك الحقيقة أكثر وأكثر، واختبرت وعيها وإدراكها ، وامتلكت زمام التحكم فيها حقيقة فأنت تتابع مسيرك نحو ذاتك الإنسانية ونحو الإنسان الداخلي فيك؛ نحو ذلك العالم الإلهي المصغَّر النائم في أعماق كل إنسان، والذي ستتعرَّف فيه إلى حقائق كبيرة غابت عن مداركك أو تشتت فكرك عنها، ستكتشف أسرارًا لم يفسرها ولا حَوتها أساطير، ستدرك أبعادًا وطرقا ما عرفها غير المستنيرين الكبار، ولم يصل إليها غير المكتمل وعيًا، فعالم الذات هو عالم صغير وكبير، أراضيه عذراء طهور لم تطأها قدمك بعد، ولكي تصل إليه أنت في حاجة إلى معرفة نفسك وحقيقتها وتكتشف مكنوناتها وتحتاج أيضًا إلى التخلُّص من الازدواجية عن طريق وحدة الذات وخلاص النفس الثنائية، وتذكَّر دائمًا أنك لن تصل إلى صميم الذات إلا بعد توحيد ازدواجية النفس.

نضال سليمان باحثة ماجستير قسم العقيدة والفلسفة

محبة للكتب، قارئة في الفكر الفلسفي، تهتم فقط بكل ما هو متعلق بالفكر الإنساني.