التنقل بين الأوطان من منظور إنساني

التنقل بين الأوطان من منظور إنساني

قد يصبح انتماء الإنسان لوطنه بصرف النظر عن ذلك الوطن شرقي كان أم غربي ؛ من أعمق مشاعر الإِنتماء التي قد يشعر بها الإنسان، وقد يتغير ذلك الشعور سواء بالزيادة أو النقصان تبعا لعدة عوامل؛ سواء كانت عوامل إجتماعية أو سياسية أو مع عدم شعور الفرد بالأمان داخل مجتمعه، تبعاً للمجتمع وأسلوب تعامله مع الأفراد بكافة خلفياتهم الثقافية، تبعاً لإنصاف الإنسان داخله أو شعوره بالظلم ، تبعاً لمدي تكيفه مع المجموعة أو رفضها له.

ينعكس ذلك المقدار من الحب و التقبل أو الرفض و النبذ للوطن علي تعاملات الإنسان وكافة جوانب حياته الاجتماعية، حتي أثناء انتقاله وسفره لوطن آخر ، سواء كان انتقال بدافع استقرار أو انتقال لغرضٍ ما مؤقت.
فالأول يكون بمثابة هروب من وطن ضاق به أهله وضاق بهم ، من خلال حياة و واقع لم يعد مُحتمل ؛ من قيود تفرضها الأوطان و المجتمعات علي ساكنيها ، حين يصبح الشعور بالأمان و التقبل مطلب بدلاً من كونه حق..
حين يكونه هدف الإنسان ايجاد ظروف معيشية أفضل للحياة و حياة إجتماعية أكثر كرامه ، حين يحاول المرء الحصول علي حريته و حرية صوته و كلمته وعدم مصادرتها ، حينما لا يصبح الوطن وطنًا.. يختار هؤلاء الهجرة و الاستقرار في أوطان أخرى، وتحمل عقبات ذلك القرار ومدي ما قد يعانوا منه من تبعات سلبية عن اختيار البقاء في وطن لا يحترم إنسانيتهم.. و المجتمعات التى لا تحترم إنسانية افرادها ؛ لا تستطيع أن تُنمي الإنسان داخلها كما لا تستحق لقب مجتمع.

حيث تهدم تركيبها الاجتماعي محطمة بذلك فئات معينة علي حساب رفعة و علو فئات أخرى.. لتنحدر إلي هوه عميقة من الجهل، الفساد و العنصرية و تنسحب بناءً عليه من مصاف الدول المتقدمة منتمية بذلك إلي الصف الأخير من الإنسانية و الصف الأول من الرجعية.
حينها يصبح عامل عدم الأمان عامل أساسي و جوهرى في تغيير حياة الكثير من الأفراد و تحويل مسارهم أثناء بحثهم عن بديل لوطنهم.
وحينها يكون الفرد المهاجر أو اللاجيء في مواجهة صراعات عدة : الصراع في بعده عن وطنه الأصلي وفراقه للمكان الذي ضمه و احتضنه منذ بداية حياته… فراقه للعائله و الأصدقاء و المساحات التي احتوت لحظات كثيرة و ذكرى مميزة.
و صراع آخر مع المجتمع المنتقل له و ما قد يواجهه داخله من اختلاف للخلفيات الثقافية عن ثقافته الأصلية، تضاد ما بين العادات و التقاليد عن ما تربي ونشأ عليه و تصارع فطرته مع كل ذلك.
خاصة مع عامل اختلاف قدرة الأفراد علي تقبل المختلف ، فليس الجميع علي نفس القدر من المرونة أو التأقلم مع المختلف عنهم.. يستغرق البعض أيام لتحقيق ذلك ، و آخرون يستغرقوا سنون طوال ، والبعض الآخر يحاول يحاول التعايش أو حتي إدعاء التأقلم و التصرف علي نفس نهج الشعب المُهاجر له رغم انتقاده لهم داخل نفسه ، مع احتفاظه بأصالة خلفيته الثقافية و عاداته و تقاليده الأولي ، وحينها قد يصبح الإنسان نسخة مشوهه من كل شيء ومزيج من النفاق الاجتماعي تبعاً لمصلحته و حاجته من الجماعة المنتمي لها وإن كانت حاجة مؤقتة.
ما يعانوا منه المهاجرين أيضاً من عنصرية في التعاملات الاجتماعية و المهنية ، وخاصة إن كان المجتمع المحتضن لهم في الأساس مجتمع عنصري، وتنقسم العنصرية في ذلك النهج إلي عدة أنواع.

  • عنصرية علي أساس مدي التوافق السياسي ما بين الدولتين؛ المهاجر منها و المهاجر إليها.. وعدم قدرة الكثير علي الفصل ما بين أعراق الشعوب وسياسات الحكومات مع بعضها البعض.
  • عنصرية علي أساس مدي غني أو فقر الشعوب المُهاجر منها و مستواها الاجتماعي و مستوي الفرد المهاجر ايضا… حينها يتحدد مدي الإحترام الذي يُحظي به الإنسان تبعاً للمادة و العملة ، يتم حصر الإنسانية داخل عملة أو ورقة نقدية ؛ ورقة قد تتعرض يوما للتمزق و التغير ممزقه كل ما هو إنساني معها.
  • عنصرية علي أساس القومية و مدي اعتزاز الأفراد داخل بعض المجتمعات بقوميتهم إلي الحد الذي تسمح به ذواتهم لإهانة كل مختلف عنهم… وكلها أيديولوجيات خاطئة تم زرعها وتربي عليها الكثير من الأجيال مع غياب مبادئ المساواة و الإنسانية بين الأفراد كافة بإختلاف اعراقهم و جنسياتهم.
    -عنصرية علي أساس قوة الدولة المُهاجر منها و مدي حمايتها لأفرادها و رعاياها داخل الشعوب الأخرى ، حيث تتعامل حينها تلك المجتمعات كالحرباء ؛ لون انساني يتم استخدامه مع افراد دولة ولون آخر ليس له ملامح مع افراد دولة أخري يعانوا في الأساس من التهميش و عدم الرعاية داخل موطنهم الأصلي.
    عنصرية علي أساس اختلاف الدين ورفض بعض البلاد للأشخاص المختلفين عنها دينياً أو مذهبياً…
    داخلها إنسانية الحياة تخلو الأوطان من معاييرها التي وضعتها منذ البداية و صُنفت علي أساسها كل شيء.. يخلو الإنسان من ايدلوجيات لم يختار الكثير منها منذ مهد ولادته و علي الرغم من ذلك ظل يتعامل علي أساسها.
    الإنسانية الصحيحة ترفض تصنيف الأوطان… تنبذ جمود الفكر و الحقائق المزيفة التي يطلق علي اساسها الكثير من الأحكام مع من لا ذنب لهم.
    كل مجتمع مسؤول عن تنشئة افراد تقدس مبادىء العدالة و المساواة كتقديسها لحاجة الإنسان من طعام و شراب.. بيد أن هناك مجتمعات اهتمت بتغذية بطونها منصرفة بذلك عن نوع الغذاء الذي تمد به عقلها.
إسراء عصام فتحي باحثة و كاتبة

باحثة حاصلة على الماجستير في الجغرافيا الطبيعية تخصص تنمية مستدامة وتخطيط عمراني. كاتبة مهتمة بالشؤون البيئية والتنمية المجتمعية. صدر لها كتاب رسائل روح بتاريخ ديسمبر لعام 2020.