الاختبارات.. إنها تقترب!

الاختبارات.. إنها تقترب!

عدة أيام وتبدأ اختباراتي النهائية، عدة أيام بعدها وسيراني المجتمع حاملةً لشهادة تخرجي ببريقها اللامع بين يديّ، سيراني كشخص قد تخرج للتو فأصبح راشدًا عاقلًا مسئولًا عن ذاته. كما تخبرني أمي دائمًا، فإنه “مفيش أسرع من الأيام”وهي عادةً ما تصدق، خصيصًا في أوقات الاختبارات، فهذه الأيام ستمر كالساعات.

لكن ما الذي يعنيه أنني سأصبح شخصًا عاقلًا راشدًا؟ أكنت طفلة طوال هذه السنوات الماضية؟ طفلة في السادسة والعشرين من العمر! هل حقا هذه الورقة هي ما ستحدد شخصيتي، ستقرر كوني قادرة على الاعتناء بنفسي؟ لطالما حلمت بالاستقلال، أعتقدت دومًا أنه سيساعدني عن طريق تحمل بعض المسئولية، وسيمنحني الحرية لإتخاذ قرارتي. إلا إنني أعتقد إنها ستكون حرية مُزيفة، فنحن، وربما فقط أنا، نرتبط بكثير من القواعد، الحدود، والحواجز النفسية التي ستبقينا كما نحن ربما للكثير من الوقت. إذن سنستمر في تأجيل حلم الاستقلال قليلًا بعد.

جل ما أعرفه أنني لستُ طفلةً، لم أكن أبدًا، ولم يتجرأ أحدهم أن ينعتني يومًا بعدم تحمل المسئولية. لا أعتقد أن هذا في حد ذاتِه هو أسوأ ما قد يصفك به أحدهم، فعدم تحمل المسئولية، التخلص من الأعباء، وترك العنان لذاتك أحيانًا جيد للروح، كما هو جيد للصحة النفسية، لا عجب أن صحتي النفسية لم تكن أبدًا مثال يُحتذى به.

إذن، فلطالما كنتُ راشدةً عاقلة منذ صِغري، فلمَ يظن الجميع أنه عالمًا أكثر مني بما هو أفضل؟ ما الذي يمنح الآخرين حقًا في إعطائي نصائح والتشبث بها؟ أعتقد إنهم يظنون أن ما يختارونه هو الأفضل، أعتقد أيضًا أنه عليّ شكرهم جميعًا على مجهوداتهم. لكنه ليس واجبي! ليس واجبي منحهم شعورًا جيدًا عن أنفسهم، ليس عليّ العفو والتقبل والشكر، إنها حياتي وليس لهم حق التدخل بها، حتى وإن كانوا ينوون خيرًا.

إلا أن هذا المستقبل يخفيني، وبشدة. أخشى الفراغ والتيه، أخشى خط النهاية، ومنه البدايات الجديدة الغير مألوفة. كنتُ قد قررت قضاء اليوم كاجازة وبدء الاستعداد للاختبارات غدًا، وقد طُفت المنزل ذهابًا وإيابًا عدد لا أعمله من المرات، أكلت، أخذت قيلولة، ها أنا ذا أكتب عن مخاوفي، وتنتابني رغبة في الرسم فربما يكون هذا ما سأفعله تاليًا، فهل ستصبح هذه أيامي بعد التخرج؟

لا أعلم تحديدًا أي قرارات علي اتخاذها، ولا أعلم أي مساويء كانت تتصدى لها طفولتي المزعومة تلك وعليّ أن أتوقعها تاليًا، أعتقد أن سؤال “هنفرح بيكي امتى يا حبيبتي؟” بدأ يظهر في الأفق، فقد كان ما يتصدى له هو”الشهادة الأول” فهل هذه الورقة حقًا هي ما ستؤهلني لأكون زوجة وأم! منطق عجيب.

كنت قد قرأت منذ فترة أنه يوضع يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت محتوى تحتاج لضعف متوسط عُمر الانسان الطبيعي للانتهاء منه.. يوميًا. هنا تأتي أحد مخاوف التخرج الاخرى، ماذا سأفعل بحياتي تحديدًا؟ أي الاختيارات هي الأصح، فهناك العديد منها.

أكثر ما يُخيفني هو أن أظل كما أنا، شخصًا عاديًا. أن تظل صحتي النفسية ليست مثالًا للاحتذاء به، أن أعمل وأتقاضى راتبًا لأنفقه على المزيد من العمل، ألا أقع في الحب وأتزوج فقط لأنه قد آن آوانه، أن لا أترك أثرًا طيبًا من بعدي. لم أكن أبدًا من راغبي الخلود، لا أطمح أن يتردد أسمي من بعد مماتي لسنوات، إلا إنني أرغب بأن يبقى من بعدي شيئًا جيدًا واحدًا على الأقل، شجرة أزرعها أو عصفور مكسور الجناح أداويه أو بسمة أرسمها على وجه أحدهم ربما، إلا إن التعامل مع الأحياء ليس ما يُميزني.

إلا إنني مُتحمسة، مُتحمسة لهذه البداية الجديدة، مُتحمسة لما يخبأه المستقبل. كنت فقط أظن أنني قد كبرت قليلًا على الخوف من الاختبارات، إلا إنه من الواضح أنني لازلت طفلة في بعض النواحي. ولكنني أعتقد إنني مستعدة للمستقبل.. لا، ربما ليس لهذه الدرجة.

هدير طارق البدوي صانعة محتوى