بني آدم.. وآخرين!

بني آدم.. وآخرين!

لاحظت منذ عدة أيام فراشة غارقة في حوض ماء في الحديقة، لم أفهم ما الذي قد يدفعها للاقتراب من الماء للحد الذي سينتج عنه غرقها، هل هو العطش، أم الفضول والرغبة في استكشاف المجهول، ربما حب التجربة خصيصًا إن كانت قد أُخبرت من قبل أن المياه هي منطقة محظورة.. أعلم، لقد أخذ الأمر أكبر من حجمه، قليلًا.

أرتبط معي الأمر وقتها بالحشرات التي تنجذب للضوء، هذا الشيء اللامع والذي يبعث طاقة الدفء ويمنحهم القدرة على رؤية ما لم يستطيعوا من قبل، يسحرهم، ويظلوا في محاولاتهم للاقتراب منه وفهم ماهيته رغم إحساسهم المتزايد بالحرارة والألم، حتى يتغلب فضولهم على آلامهم وتقترب كثيرًا، تقترب فيحرقها الضوء.

على عكس النحل مثلًا، أنا لا أعلم تحديدًا لم قد تلدغ النحلة إنسانًا أو حيوانًا رغم علمها إنه سينتج عنه مقتله، إلا إنني أحب أن أتصور إنها لا تلدغ سوى دفاعًا عن نفسها، فنحن بني آدم نهوى أذية الآخرين، خاصةً من هم أضعف منا.. صدمتني الحقيقة وقتها، إنه ليس أن الحشرات ليس لها عقلًا أو لا تعلم نهاية هذا الطريق الذي بدأته، فنحن ذوي العقل، العالمين تمام العلم بنهاية الطريق، نختار طوعًا أن نُكذب ما نعلمه ونستمر في الطريق آملين أنه ربما هذه المرة، هذه المرة فقط ستحدث المعجزة ولن نتأذى.

أعتقد أن الأذى دائرة مغلقة، الضحية اليوم ستصبح الشخص المؤذي غدًا، وضحيته سيصبح الشخص المؤذي بعد غد. ليس سرًا أنني لن أتوج أفضل من يمكنهم التعامل مع بني آدم وإكتساب الصداقات في أي وقت قريب، فأنا الأسوأ على الإطلاق في هذه المنطقة. لطالما كانت العلاقات تشغل حيزًا لا بأس به في تفكيري، آخر ما قد توصلت إليه إننا جميعًا قد أُذينا من قبل مما نتج عنه أننا لم نعد نستطيع الإحساس بالأمان، تذوق الحب، منح الثقة، أو إفتراض حُسن النية.

هو الذي أتُهم مرارًا بالتدخل في شئون الآخرين، هي التي أفضت مكنونات قلبها لهم ثم تُركت، وأخرى قد طلبت المساعدة من جميع من على وجه الأرض ولم يراها أحد أهلًا لها. هم من تلقوا العديد من الصدمات حتى لم يعد في قلبهم مكانًا لحزن أو ألم، هو والذي برغم من محاولاته للدخول في دائرة صداقتهم كان دائمًا ما يُقابل بالرفض والسخرية، وآخر يظل كل من يراه يحبطه ويخبره إنه لن ينجح أبدًا.

هناك من يضع الحواجز مستخدمًا الألقاب تحت مُسمى الإحترام. وهذه، من ترفض المشاركة، ترفض السماح لأحدهم بالدخول. تلك التي أرتضت وضع وجه القوة محاولةً الاستغناء به عن الجميع. هؤلاء الذين يعيشون حياتهم ضاحكين على آلامهم، وآلام الجميع. هو من لا يبذل مجهودًا في التعرف على آخرين جُدد. هذا الذي لم يعد يُصدق أحدًا حتى يُخيل للعالم إنه لا يرى صوابًا سوى في رأيه.

برغم الأذى وبرغم حوائط الحماية التي نبنيها حول أنفسنا نسمح لهذا الأخير فقط بالدخول، نناديه باسمه مجردًا من أية ألقاب، نطلب مساعدته، نشاركه أحداث يومنا، ما يؤلمنا، وما حوّلنا للصورة التي يراها الآن، نبذل مجهودًا إضافيًا في التعرف إليه، التعرف إليه حقًا، نصدقه ونثق برأيه. ليتركنا هو، يتهمنا بالتدخل في شئونه، يرفض تقديم المُساعدة، يرفض صداقتنا، ويحبط محاولاتنا للنجاح، يتركنا مثلما فعل كل من جاء قبله.

فهل نحن فراشات كان فضولنا السبب في أن نغرق، أم حشرات مسحورات بالضوء؟ أظننا بشرًا، لم نُخلق لنكون وحدنا. سنظل في دائرة الضحية والمؤذي حتى نجده، نسمح لنفسنا ببعض الوقت لتلتئم جروحنا نلعب خلاله دور المؤذي، حتى تهدأ أنفسنا فنسمح لآخرين بالدخول، فنتعرض للأذى مجددًا، وتظل الدائرة قائمة حتى نجده، من يمكننا أن نجد السكينة معه، أن ننسى الألم ونكسر الدائرة، من معه يمكن لأرواحنا أن تُشفى.

أعتقد إنه نفس ما كانت الفراشة والحشرة يحاولون فعله، أن يكسروا قاعدتهم، لا، لا أظن هذا، إن فعلتهم لا يمكن تبريرها سوى بالغباء الصِرف. وبالنسبة للبعض، محاولاتنا نحن في كسر الدائرة هي أيضًا غباءًا صِرفًا، فكل ما علينا فعله حتى نستمر على هذه الأرض أن نختار أدورانا ونقبلها، فهل أنت الآن الضحية أم المؤذي في دائرتك؟

هدير طارق البدوي صانعة محتوى

هل نحن هنا حقًا.. أم أن الحياة مجرد حلم، حلم طويل، وجميل أحيانًا؟