عن خوف الوحدة

عن خوف الوحدة

لطالما كان خوفي الأكبر هو دائماً الوحدة.

جلست وحدي لأتأمل وأتفكر وقد قرأت قبلها منشوراً عن مخاوف الإنسان العميقة التي لابد له أن يواجهها ويحاورها بل ويصادقها حتى تنصلح حياته وعلاقاته وأولها علاقته بنفسه.

بدايةً سألت نفسي ماهو أكبر مخاوفك؟.. تأملت قليلاً، ثم قلت بلا تردد الوحدة.. وكنت قد سمعت من دكتور أحمد عمارة أنه لتتخلص من تلك المخاوف فيجب أن تتخيل أن أكبر مخاوفك قد وقع بالفعل وأنك بمواجهته وأخرج كل مشاعرك حتى تتخلص من طاقته السلبية، ثم طمئن نفسك ثانيةً وربما تعد سيناريو أو خطة لمواجهته!

 بدأت في تخيّل أنني فقدت أبي وأمي والذين دائماً ما أذكر نفسي بحبهما لي ورغبتهما الدائمة أن أكون سعيدة.. والآن إخوتي فكل واحد منهم في واد وهي سنة الحياة وانقطعت الاتصالات بيننا.. وفقدت زوجي أيضاً.. أما صديقاتي فقد انقطعت اتصالاتنا البعيدة أيضاً.

أنا الآن وحيدة في دنياي أواجهها وحدي.. بخجلي وقلة ثقتي بنفسي ولا هدف ولا معنى للحياة.. شعرت بدموعي تنهمر وبدأت في البكاء وارتفع نحيبي وشعرت بالبرد ثم بدأت ارفع رأسي قليلاً محاولةً أن أقوم، ربما أردت أن اقاوم ذلك الشعور بالعجز والضعف أو ربما ابحث عن احد يحتضنني ويطمئنني، لم أستطع القيام ولم أجد أحداً حولي فأحنيت رأسي وجسدي وتقوقعت على نفسي.

توجهت لداخلي فوجدت طفلتي تبكي (طفلتي الداخلية هو مصطلح يطلق على ذاتك المجروحة التي لازالت تبكي وتغضب لتوبيخ الأب أو الأم وكل ذكرياتك السيئة.. هي أنت التي طمستها لتصبح راشداً).

طفلتي لم تحتضنها أمها كثيراً رغم حاجتها للحب والأمان.. وقد خذلنها صديقات الطفولة فقد خرجن كلهن بدونها ولم تتصل بها واحدة منهن.. تظاهرت وقتها أنني غير مهتمة بل ودافعت عنهن أمام أمي لكن بداخلي شعرت بالحرقة والوحدة لماذا أنا بالذات تجاهلنني ولم أتحدث عن ذاك الموقف مع أحد لكم أشعرني ذلك بالألم والخذلان والوحدة.

تبكي طفلتي التي تنمرت عليها صديقتها المفضله أمام الأخريات لتواجهها بضعف شخصيتها وعدم قدرتها على اتخاذ قرار سريع في موضوع تافه.. والتي قالت لها مازحةً صديقة أخرى مفضلة في مرحلة ما: “هتفضلي طووول عمرك وحيدة شريدة”.. وظلت تلك الجملة تتردد على قلبي كل فترة اسمعها واسكتها غاضبةً مخافة أن تتحقق النبوءة كما اعتبرتها.

اشفقت على طفلتي واحتضنتها بذراعاي وشددت على جسدي بقوة قائلة لها: “أنا معك.. أنا هنا.. أنا احبك.. لست وحيدة أبداً… نحن معاً دائماً”.

ثم توجهت إلى ربي.. ماذا أقول لها يا رب العالمين يا حبيبي وملجأي فسمعت: “ونحن أقرب إليه من حبل الوريد”.. فهدأت قليلاً ثم توجهت إلى ربي ثانية فسمعت: “إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا”، فبكيت شكراً للّه وحباً فيه الذي الهمني قربه مني وحبه لي، وقلت لطفلتي أرأيت: “انت لست وحيدة، ولا أنا أيضاً نحن معاً وهو معنا”.

الآن وكلما خفت الوحدة سأذكر نفسي دائماً: “لا تحزن إن الله معنا”.. فهو معنا دائماً المهم أن نذكره هو حاضر في كل مواقفنا فلسنا وحيدين أبداً شرط أن نذكره.. الحمد لله رب العالمين.

ابتهال محسن كاتبه