هدايا القدر.. عن كونك مختلفاً!

  • 2
  • 1٬120
هدايا القدر.. عن كونك مختلفاً!

لم أكن أتوقّع أن يأتي يومٌ أقفُ فيه مُمتناً لظروفي ومنحنياً أمام القدر ومشيئته، خاصةً حينما أتذكر نظرتي القديمة لتلك الظروف ونقمتي عليها. لكلّ إنسان وُلد على هذا الكوكب، موروثاته الخاصة، والتي نرثها مُرغمين وتقع خارج نطاق سيطرتنا. لطالما اعتقدتُ بأنّ موروثاتي كانت إستثنائية، بل ومعاقة، قبل أن أدرك بأنّ كل شيء في الحياة قابل لأن يُنظر إليه من خلال زوايا مختلفة.

كنتُ أرى نفسي ذلك الغريب المحروم من جنسيته اللبنانية كونه وُلد في لبنان لأبٍ باكستاني وأمّ سورية، وكنتُ أرى نفسي ذلك الوحيد الذي لم يحظَ بإخوة لسبب مُقدّر وخارج عن نطاق سيطرة أهلي، وكنتُ أرى نفسي ذلك المُختلف في طفولته عن أقرانه في الشخصية والطباع والتفكير والتعبير. تلك الظروف كانت في كثير من الأحيان والمواقف تثير غضبي، وتشعرني بالحسد والغيرة، سواء من أولئك الذين يمتلكون جنسية وإنتماء، أو من الذين لديهم إخوة يلعبون ويقضون أوقاتاً مرحة معهم. خلال تلك المرحلة اعتقدتُ بأنّ أغلب الناس حولي يحظون بحياة طبيعية وأنّني من الأقلية النادرة التي ورثت حياة استثنائية وغريبة.

خلال كل تلك الفترات الطويلة، كنتُ أنظر لنفسي ولحياتي من خلال منظور أوحد ضيّق، حتى أتى ذلك الوقت الذي بدأت فيه أتساءل، ماذا كان حالي لو وُجدتُ في ظروفٍ مختلفة أو متشابهة مع غالبية الناس حولي؟ حينها فقط تمكنتُ من الإنتقال من منظوري الضيّق إلى منظور مختلف أوسع وأعمق وأشمل.

وبدأتُ أرى نفسي على أنّني ذلك الإنسان الُمتعدّد الأعراق والأصول، تلك التعددية نفسها التي سمحت لي بأنّ أتعامل مع البشر بإطارٍ أوسع، وجنّبتني كل أنواع الآفات كالتعصب الطائفي أو الديني أو العرقي، والتي أهدتني منظوراً أرى فيه الإنسان على أنّه إنسان فقط، دون أي اكتراث لأي تفصيل آخر. تلك الظروف التي كرهتها يوماً ما، هي نفسها التي أوجدتني في بيئة مُتحررة من التعصّب الحزبي الذي كان سائداً وبقوة في لبنان، ومكنتني بالتالي من التعرّف على أشخاص من كافة الإنتماءات والمشارب المتناقضة، بل وشجعتني على زيارة كافة المناطق مُتحرراً من المتاريس الوهمية التي وضعها كثير من اللبنانيين في عقولهم.

تلك الأوقات التي اعتقدتُ بأنّها كانت وحيدة وكئيبة بدون إخوة، سمحت لي بأن أتعمّق بالتفكير الذاتي وأغرق في مخيلتي، وهي الأوقات التي منحتني شغف التحليل واكتشاف الأسباب وربط الأحداث للوصول الى معرفة تشبع فضولي. بدأت أرى وائل المُفكرّ والباحث عن الحقيقة، المُتسامح مع الإنسان، كل إنسان في محيطه، المُتقبّل للآخر مهما كانت اختلافاته أو انتماءاته، غير عابئ بالتفاصيل الموروثة التي يحملها ذلك الآخر.

غريب كيف أنّ الإنسان يمكن أن يتعامى عن الكثير من النعم الموجودة في حياته، لمجرّد أنّه تلهى بمقارنة حياته مع حياة الآخرين، وسمّم روحه بالغضب والنقمة والغيرة والحسد، بدل أن يشعر بالإمتنان والشكر للهدايا التي منحه إياها القدر. هذا التغيّر في المنظور يذكرني دوماً بعبارة وردت في فيلم Collateral Beauty: “إحرص على ملاحظة الجمال الجانبي”.

وائل خان باحث