فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مراجعة كتاب الفوضى Noise لـ دانيال كانيمان

مراجعة كتاب الفوضى Noise لـ دانيال كانيمان

ناقشت الكثير من الأبحاث موضوع التَّحيزات المسبقة، وأثرها في اتِّخاذ القرارات، ولكن مهلاً هل المشاعر، والتَّحيزات، والأحكام المسبقة هي فيصل تصنيف الحكم إلى منطقيٍّ، وغير منطقيٍّ؟  وهل فقط التَّحيزات هي التي تشوّه قراراتنا، أم أنَّنا يمكن أن نتَّخذ القرارات بعشوائيَّةٍ، أو بفوضى دون أيِّ معيارٍ؟

يطرح كتاب الفوضى ” Noise: A Flaw in Human Judgment” مؤشراً آخر أكثر خطورة على منطقيَّة، وموضوعيَّة قراراتنا ألا وهو وجود الفوضى، أو الضَّوضاء القريبة من العشوائيَّة.

يعدُّ هذا الكتاب عصارة خبرة فريقٍ من ألمع علماء النَّفس، والإدارة ابتداءً من  الحائز على جائزة نوبل دانيال كانيمان،  إلى شريك ماكنزي السَّابق، وأستاذ الإدارة أوليفييه سيبوني، وحتَّى الباحث القانونيّ المنتج، والاقتصادي السُّلوكي كاس سنستين. فاز كانيمان بجائزة نوبل في العلوم الاقتصاديَّة لعمله الرَّائد مع عالم النَّفس الرِّياضيِّ عاموس تفرسكي حول التَّحيّزات المنهجيَّة في الحكم. ممَّا شجَّع جموع علماء النَّفس، والاقتصاديِّين السُّلوكيِّين -بما في ذلك Sibony و Sunstein- إلى دراسة الأسباب، والعلاجات للعديد من هذه الأخطاء، بما في ذلك الثِّقة المفرطة، والقوالب النَّمطيَّة، والتحيُّز التَّأكيدي المتمثِّل بالبحث عن المعلومات التي تدعم معتقداتنا، والاعتماد عليها، وحشوها في نقاشاتنا.

لم يعد التَّحدث عن الإقتصاد السلوكي وأبحاثه التي تتحدَّث عن اللاعقلانيَّة عند البشر مفاجئاً لأحد، وحين درست الدُّكتوراة في ذلك المجال من عام 2009 حتَّى 2012 وتابعت كباحثٍ زائرٍ في عدَّة جامعاتٍ في اسبانيا، درست وحلَّلت جبلاً من الأبحاث المنجزة على السُّلوك، والقرارات البشريَّة، والتي تشترك معظمها بكونها تدلُّ على على التَّحيزات، والمشاعر، والأحكام المسبقة للتَّفكير المنطقيِّ في مختلف مراكز اتِّخاذ القرار لدينا سواء في التَّخصُّصات الطّبيَّة، أو الهندسيَّة، أو حتَّى الحقوقيَّة في قاعات المحاكم.

في كتاب الفوضى يجيب الباحث دانيال كانيمان مع فريق المؤلِّفين بكتابٍ كاملٍ ليلقي الضَّوء على الفوضى في اتِّخاذ القرار، وليس مجرَّد التَّحيزات، و بكتابٍ بعنوانٍ كبيرٍ، الفوضى ( يمكن اختيار مرادفةٍ أخرى للتَّرجمة، كالضَّجيج، أو الضَّوضاء، أو التَّشتُّت، أو حتَّى العشوائيَّة) !

يبدأ المؤلِّفون تحليلهم بالتَّمييز بين التَّحيز (الانحرافات المنهجيَّة)، والفوضى (التَّشتُّت العشوائي)، إذ تقترب الفوضى إلى حدٍّ ما من العشوائيَّة، ويتَّضح معناها بشكلٍ فاعلٍ عندما يتَّخذ الخبير قراراتٍ “مختلفةٍ” لنفس الموقف دون أيِّ تغييرٍ في البيئة، أو الظُّروف.

وجدت الكثير من الإحصاءات أنَّ الخبراء، وأصحاب الاختصاص قد يتَّخذون قراراتٍ مختلفةً لنفس الحالة، وعند نفس المتغيِّرات ممَّا يخلق فجوةً كبيرةً في موضوعيَّة القرار، وعدم الثِّقة بمنطقيَّته، فينعكس ذلك سلباً على جودة المخرجات، أو قد يؤدِّي إلى نتائج خطيرةٍ، وربَّما مميتة في بعض الاختصاصات كالطّب نتيجة الآراء الطّبيَّة المتضاربة من طبيبٍ يعاني قراره من الفوضى.

أي لو أردنا تعريف الفوضى، أو العشوائيَّة رياضيَّاً لاستطعنا تشبيهها بقيم الانحراف المعياريِّ البعيدة عن بعضها البعض بشكلٍ عشوائيٍّ دون وجود رابطٍ أو سببٍ يؤدِّي إلى ذلك.

 هل مشكلة الفوضى بهذا الحجم، وهذه الخطورة؟

يشير الكتاب إلى قصَّةٍ شخصيَّةٍ جرت لمريضٍ عانى آلاماً شديدةً في الظَّهر لدرجةٍ منعته من المشي، والوقوف؛ فاستشار ثلاثة أطبَّاءٍ حول أفضل مسار للعلاج. أصرَّ الأول على ضرورة إجراء عمليَّةٍ جراحيَّةٍ على الفور، بينما نصحه الثَّاني بالاستمرار بالعلاج الطَّبيعيِّ دون حاجةٍ إلى عمليَّةٍ جراحيَّةٍ، وستتحسَّن حالته في الأشهر القادمة، في حين وصف له الثَّالث منشِّطات قويةً، وأوصاه إذا لم تتحسَّن حالته خلال شهرٍ بضرورة إجراء عمليَّةٍ جراحيَّةٍ. في نهاية المطاف استكان لإرشادات الطَّبيب الثَّالث، ونجح في تخفيف آلام ظهره، لكنَّه كان مستاءً للغاية، ومرتبكاً من وجهات النَّظر المتضاربة. وغير متأكِّدٍ حتَّى إن كان توصيف الطَّبيب الثَّالث هو التَّوصيف الصَّحيح.

حالةٌ واحدةٌ، و ثلاثة آراء مختلفة لخبراء في مجالهم، هذه هي الفوضى بشكلٍ نراه بشكلٍ متكرِّرٍ.

يطرح الكتاب هذه الحالة كمثالٍ عمليٍّ عن التَّباين غير المرغوب فيه في الحكم المهنيِّ، وفشل القرارات البشريَّة في أغلب المجالات، والذي يتمُّ تجاهله في كثيرٍ من الأحيان. يدعّم الكتاب كلامه بنتائج دراسةٍ أجريت على 22 طبيباً فحص كلّ منهم 13 صورة وعائيَّة ، ثمَّ بعد عدَّة أشهر أعادوا نفس التَّجربة، ووجدوا تضارب آراء الأطبَّاء، واختلافهم مع أنفسهم -لا مع غيرهم- في نسبةٍ متفاوتةٍ بين 63 %، و92 % من الوقت. يربط الكتاب سبب هذه التَّقلُّبات بمزاج الشَّخص، والتَّعب، والبيئة الماديَّة، والأداء السَّابق، وبعض العوامل التي لا صلة لها بالموضوع، والتي لا يمكن تخيّل أثرها، لكنَّها تشكِّل الأحكام، فمثلاً من المرجَّح أن يطلب الأطبَّاء إجراء فحوصات السَّرطان للمرضى الذين يرونهم في الصَّباح الباكر أكثر من المرضى الذين يأتون بعد الظُّهر.

تركِّز صفحات الكتاب بشكلٍ أساسيٍّ على الصَّوت الخافت للفوضى، والضَّرر المباشر، وغير المباشر الذي تسبِّبه من تقويض الإنصاف، والعدالة، وإضاعة الوقت، والمال، والإضرار بالصِّحَّة الجسديَّة، والعقليَّة، ويمزج بين القصص، والدِّراسات، والإحصاءات لإثبات وإبراز ضرر الفوضى الذي لا يقلّ عن التّحيزات.

يذكر المؤلِّفون دراسةً أجريت على 1.5 مليون قضيَّة وجدت أنَّه عندما يصدر القضاة أحكاماً في الأيَّام التَّالية لخسارة فريق كرة القدم في المدينة المحليَّة، فإنَّهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر صرامةٍ ممَّا كانوا عليه في الأيام التَّالية لفوز فريقهم. ويُذكِّر الكتاب باتِّساق الدِّراسة مع العديد من التَّقارير القصصيَّة التي بدأت في السَّبعينيات، والتي أظهرت أنَّ قرارات إصدار الأحكام لنفس الجريمة تختلف بشكلٍ كبيرٍ تبعاً لكل قاضٍ، وأيضاَ اعتماداً على القاضي الأساسي الذي رسم القضيَّة.

يضيف الكتاب مثالاً آخر عن معاناة شركات التَّأمين من ضجيج القرارات المتضاربة، عندما طلبت شركة تأمين كبيرة -مهتمَّة بمراقبة الجودة- من ضامنيها الذين يحدِّدون معدَّلات أقساط التَّأمين بناءً على تقييمات المخاطر، أن يقدّروا مجموعةً من الحالات النَّموذجيَّة غير المعقَّدة، تباينت أقساط التَّأمين المقترحة منهم بمتوسطٍ يبلغ 55 %، ممَّا يعني أنَّ أحد الموظَّفين حدَّد مبلغ التَّأمين بمبلغ 9500 دولارٍ بينما حدَّده أحد الزملاء بمبلغ 16700 دولارٍ.

بين الفوضى والتَّحيّز

ينطلق الكتاب بدايةً بالتَّمييز بين الفوضى، والتحيّز كمدخلٍ لتعريف الفوضى

يتَّضح الفرق بين الفوضى، والتَّحيز في إمكانيَّة كشف كلٍّ منهما، والخطر المترتّب على ذلك. يستطيع الواحد منَّا كشف التَّحيزات التي يخضع لها، وبالتَّالي إزالتها، في حين أننَّا لا نستطيع اكتشاف مكان الفوضى ببساطةٍ لأنَّنا لا نعرف أسبابه بسهولةٍ. على سبيل المثال  يذكر الكاتب مستنداً إلى تجاربه -كما سبق وأشرنا-  أنَّ القضاة معرَّضون لاتِّخاذ قراراتٍ أكثر عشوائيَّةٍ لو خسر فريقهم المفضَّل لكرة القدم، وهنا نخضع لمشكلة عدم إمكانيَّة كشف العشوائيَّة لعدم وضوح أسبابها لأنَّنا لا نعرف كلَّ الأسباب التي من الممكن أن تؤدِّي لضجيجٍ، أمَّا لو كان القاضٍ متحيّزاً ضد السُّود، أو ضدَّ النِّساء فالمشكلة واضحةٌ، ويمكن كشفها، وبالتَّالي تلافيها بسلاسةٍ.

عندما يفكِّر النَّاس في أخطاء الحكم، واتِّخاذ القرار، يفكِّرون على الأرجح في التَّحيزات الاجتماعيَّة مثل القولبة النَّمطيَّة للأقليّات، أو التَّحيزات المعرفيَّة مثل الثِّقة المفرطة، والتَّفاؤل غير الواقعيِّ. بينما التَّباين غير المعلَّل (الذي يحدث دون سببٍ واضحٍ) الذي نسمِّيه الفوضى هو نوعٌ مختلفٌ من الخطأ، ولفهم الفرق بشكلٍ أوضح، فكِّر في التَّحيز، والفوضى كميزانٍ، إذا كنت تمتلك ميزاناً مصاباً بالفوضى، وميزاناً مصاباً بالتَّحيز، يمكن القول إنَّ المقياس متحيزٌ إذا كانت قراءاته بشكلٍ عام إمَّا مرتفعةً جداًَّ أو منخفضةً جدَّاً. وكذلك الأمر بالنِّسبة إلى المقياس الذي يقلِّل باستمرارٍ من الوزن الحقيقيِّ بمقدار أربعة أرطالٍ بالضَّبط، هو ميزانٌ متحيِّزٌ بشكلٍ خطيرٍ دون شكٍّ لكنَّه خالٍ من الفوضى. المقياس الذي يعطي قراءتين مختلفتين عندما تطأه مرَّتين متتاليتين يكون مصاباً بالفوضى،  وإذا بدا أنَّ وزنك يعتمد على المكان الذي تضع فيه قدمك سيكون الميزان مصاباً بالفوضى أيضاً. تنشأ العديد من أخطاء القياس، أو بالأحرى أخطاء اتِّخاذ القرارات من مزيج التَّحيُّز، والفوضى.

لتوضيحٍ أكبر عن الفرق بين الفوضى، والتَّحيُّز؛ يُظهر هذا المثال أربعة فرقٍ متنافسةٍ تصوِّب على هدفٍ معيَّنٍ:

بين الفوضى والتحيّز
بين الفوضى والتحيّز

الفريق A دقيقٌ: إصابات أعضائه في منتصف الهدف، والإصابات قريبةٌ من بعضها البعض.

الفرق الثلاثة الأخرى غير دقيقةٍ وفق الآتي:

الفريق B مصابٌ بالفوضى: تتمحور إصاباته حول مركز الهدف، ولكنَّها مبعثرةٌ بشكلٍ كبيرٍ لا يجمع بينها أيُّ قانونٍ.

بينما الفريق C فهو متحيِّزٌ: أخطأت جميع الطَّلقات منتصف الهدف لكنَّها تتجمَّع معاً  في مكانٍ واحدٍ بتحيُّزٍ واضحٍ بعيدٍ عن الهدف.

أمّا الفريق D: فهو يجمع بين الفوضى، والتَّحيّز في نفس الوقت.

كما توضِّح المقارنة بين الفريقين A وB، فإنَّ الزِّيادة في الفوضى تضعف دائماً الدِّقة عندما لا يكون هناك تحيُّز. عندما يكون هناك تحيُّز، فإنَّ الفوضى المتزايدة قد تؤدِّي إلى ضربة حظٍ، كما حدث للفريقD، وبالطَّبع لن تضع أيُّ منظَّمةٍ ثقتها في الحظِّ، فالفوضى دائماً غير مرغوبٍ فيها، وأحياناً قد تكون نتائجها كارثيَّةً.

 من المهمِّ لكلِّ مؤسَّسةٍ أن تعي التَّحيُّز، والفوضى في قرارات موظَّفيها، لكن للأسف جمع هذه المعلومات ليس بالأمر السَّهل صراحةً. تتمثَّل المشكلة الرَّئيسة في أنَّ نتائج القرارات غالباً ما تكون غير معروفةٍ حتَّى وقتٍ بعيدٍ في المستقبل، فمثلاً إنَّ موظَّفي القروض، كثيراً ما ينتظرون عدَّة سنواتٍ ليروا نتائج نجاح، أو إخفاق القروض التي وافقوا عليها، بينما لا يعرفون أبداً ما يحدث لمقدِّم الطَّلب الذي يرفضونه.

أُثبِتَ انتشار الفوضى في العديد من الدِّراسات. إذ أكَّد الباحثون الأكاديميُّون مراراً، وتكراراً أنَّ المحترفين في مجالهم غالباً ما يتناقضون مع أحكامهم السَّابقة عند إعطائهم نفس البيانات في مناسباتٍ مختلفةٍ، فمثلاً عندما تم الطَّلب من مطوِّري البرامج في يومين منفصلين تقدير وقت الانتهاء لمهمَّةٍ معيَّنةٍ، اختلفت السَّاعات التي توقَّعوها بنسبة 71٪ في المتوسِّط. كما أنَّ الأحكام الصَّادرة عن أشخاصٍ مختلفين أكثر عرضةٍ للتَّباعد، إذ أكَّدت الأبحاث أنَّه في العديد من المهام تكون قرارات الخبراء شديدة التَّباين: تقييم الأسهم، وتقييم العقارات، وإصدار الأحكام على المجرمين، وتقييم الأداء الوظيفيِّ، ومراجعة البيانات الماليَّة، وغير ذلك. الاستنتاج الذي لا مفرَّ منه هو أنَّ المحترفين يتَّخذون غالباً قراراتٍ تنحرف بشكلٍ كبيرٍ عن قرارات أقرانهم، وعن قراراتهم السَّابقة، وعن القواعد التي يدَّعون أنَّهم يتَّبعونها.

تتعلَّق هذه التناقضات كلَّها بالفوضى، والتي يعرِّفها كانيمان وزملاؤه على أنَّها تباينٌ غير مرغوبٍ فيه في الأحكام.

تقليل الفوضى في المجموعات

يقترح المؤلِّفون العديد من الطَّرائق لتقليل الفوضى في عمليَّة اتِّخاذ القرار:

  1. اطلب من عدَّة أشخاصٍ إصدار أحكامٍ مستقلَّةٍ، ثمَّ اجمع قراراتهم معاً لمقاربة الاختلافات.
  2. طبِّق الإرشادات، والقيود التي تحدُّ من الحدس، والتَّفضيلات الشَّخصيَّة -المعروفة منذ فترة طويلة لتقليل التَّحيز– لأنَّها بشكلٍ، أو بآخر تقلِّل أيضاً من الفوضى.
  3. عيِّن مراقب قرار، وكلِّفه بتتبُّع، وتوجيه التَّفاعلات، والقرارات، بناءً على خوارزميَّة أسئلةٍ معيَّنةٍ لمعرفة أسباب اتِّخاذ القرار، وتجنُّب الفوضى قدر المستطاع.
  4. يوفِّر الكتيِّب قائمة مراجعة طويلة من الأسئلة لمساعدة هؤلاء المراقبين، أو أيّ شخصٍ آخر في تشخيص متى ترتكب المجموعات، والأشخاص الأخطاء التي من شأنها تقويض قراراتهم.
  5. لا يرجئ الكتاب أملاً حتَّى لو اتَّبعت كلَّ هذه الحلول في مجموعةٍ مفكَّكةٍ غير واعيةٍ لكنَّها تساعد الفرق السَّليمة المصمِّمة على إصدار أحكامٍ سليمةٍ.
  6. تتعلَّق قائمة الكتيِّب المقترحة لمعالجة “الفوضى” بكيفيَّة اتِّخاذ مؤسَّساتنا قراراتٍ أكثر عدلٍ، ودقَّةٍ، ومصداقيَّةٍ. أي إنَّ عدم تحقيق الوصفات الطبيَّة للعدالة، والمصداقيَّة التامَّة، ليس سبباً للابتعاد عن هذا الكتيِّب التَّرحيبيّ.
  7. يقترح الكتيِّب أيضاً التخلُّص من معوقات الطَّبيعة البشريَّة، والاعتماد على الذَّكاء الصِّنعيِّ الذي يخلو من المشاعر، والتَّحيزات، والعشوائيَّة لاتِّخاذ القرارات عوضاً عنها.

تظهر الدِّراسات التي يسردها الكتاب أنَّ الخوارزميَّات تعمل بشكلٍ أفضل من البشر في دور صانع القرار.
بغض النَّظر عن نوع الخوارزميَّة المستخدمة، يجب أن يحتفظ البشر بالسَّيطرة النِّهائيَّة على القرار، ومراقبة الخوارزميات وتعديلها بشكلٍ مستمرٍّ وفقاً للتَّغيرات التي تعرض أثناء العمل، كما يجب على المديرين أيضاً مراقبة القرارات الفرديَّة لأنَّ لديهم سلطةً تجاوز الخوارزميَّة في الحالات الواضحة، وبالتَّالي بإمكانهم تغيير أيّ قرارٍ خاطئٍ، مثل إلغاء قرار الموافقة على قرضٍ مؤقَّتاً إذا اكتشفت الشَّركة أنَّ مقدِّم الطَّلب قد اُعتِقل.

ماذا عن الذَّكاء الصِّنعي

الأهم من ذلك يجب على المديرين التَّنفيذيين تحديد كيفيَّة ترجمة مخرجات الخوارزميَّة إلى عملٍ واقعيٍّ، نعم يمكن أن تخبرك الخوارزميَّة عن القروض المحتملة الموجودة في أعلى 5٪، أو في أسفل 10٪ من جميع التَّطبيقات، ولكن يجب أن يقرِّر أحدهم ما ينبغي فعله بهذه المعلومات. تُستخدم الخوارزميات أحياناً مصدراً وسيطاً للمعلومات للمحترفين الذين يتَّخذون القرارات النِّهائيَّة. أحد الأمثلة على ذلك هو تقييم السَّلامة العامَّة، وهي صيغةٌ تم تطويرها لمساعدة القضاة الأمريكيين على تحديد ما إذا كان يمكن إطلاق سراح المدَّعى عليه بأمانٍ في انتظار المحاكمة. في الأشهر السِّتة الأولى من استخدامه في كنتاكي، انخفضت الجريمة بين المتَّهمين بالإفراج قبل المحاكمة بنحو 15٪، بينما زادت نسبة الأشخاص المفرج عنهم قبل المحاكمة.

من الواضح في هذه الحالة أنَّ القضاة البشريين يجب أن يحتفظوا بالسُّلطة النِّهائيَّة للقرارات: لأنَّ الجمهور سيصاب بالصَّدمة لرؤية العدالة يتمُّ تحقيقها من خلال صيغةٍ رياضيَّةٍ بحتةٍ.

 نظراً لأنَّ النَّاس قد يكونوا غير مرتاحين للفكرة، فقد أظهرت الدِّراسات أنَّه في حين يمكن للبشر تقديم مدخلاتٍ مفيدةٍ للصيغ، فإنَّ الخوارزميَّات تعمل بشكلٍ أفضل في دور صانع القرار النِّهائيِّ. إذا كان تجنُّب الأخطاء هو المعيار الوحيد، فينبغي نصح المديرين بشدِّةٍ بإلغاء الخوارزميَّة فقط في ظروفٍ استثنائيَّةٍ كحالات الحكم القضائيِّ الذي من الممكن ألا يرضي الرأي العام، ويثير الضَّغينة حول هذه الآليَّات بشكلٍ عامٍّ.

خلاصة القول هنا أنَّك إذا كنت تخطِّط لاستخدام خوارزميَّة اتِّخاذ قرارٍ، أو إدخال الذَّكاء الصِّنعي لتقليل الفوضى، فلا حاجة لانتظار بيانات النَّتائج، ويمكنك جني معظم الفوائد باستخدام النَّظرة السَّليمة لاختيار المتغيِّرات، وأبسط قاعدةٍ ممكنةٍ لدمجها.

خاتمة

تعقيباً على كل ما ذكرنا نستطيع القول إنَّ شهرة الكتاب لا تأتي فقط من الجوانب العميقة من النَّفس البشريَّة التي يناقشها بل ومن شهرة الكاتبين الحائزين على جائزة نوبل أيضاً، فعلى الرّغم من أنَّ الكتاب يفنِّد التَّحيزات التي تقع في العقل البشريِّ، والفوضى المؤثِّرة على قراراتنا فللأسف نجد أيضاً أنَّ الكاتب استخدم بشكلٍ، أو بآخر الفوضى للتَّرويج لكتابه عن طريق ربط عمليَّة تسويق كتابه “الفوضى” باسم كتابه السابق الذي لاقى صدى واسع ألا وهو ” التَّفكير السَّريع، والتَّفكير البطيء”، ممَّا يدفع النَّاس إلى شراء كتابه بشكلٍ، أو بآخر.

ما نريد قوله إنَّ الإنسان خاضعٌ للفوضى، والتَّحيزات، ويمارس في نفس الوقت الفوضى، والتَّحيزات، فيستفيد منها تارةً، ويكون ضحيَّتها تارةً أخرى بوعيٍ، أو دون وعيٍ، هذه سنَّة الطَّبيعة البشريَّة لنمارس حياتنا بسلاسةٍ، ونتَّخذ القرارات بسرعةٍ، وإلا سيحتاج منَّا كلُّ موقفٍ إلى وقفة تأمُّلٍ، ونظرةً شموليَّةً، ودراسةً موضوعيَّةً عند كلِّ قرارٍ، وهذا ما يصيب بالجنون ربَّما، ما يهمُّنا أن نعرف أنَّنا مصابون بذلك، و أنَّ المجموعات ستقع في فخِّ ذلك، وأن نهمَّ بمعالجته، وتقليله قدر الامكان عوضاً عن تجاهله، واعتباره غير موجودٍ.

نقول نهايةً إن الكتاب يعجُّ بعشرات النَّصائح المفيدة التي تعينك على اتِّخاذ قرارٍ منطقيٍّ بعيداً عن الفوضى من حولك، لكن ربَّما النَّصيحة الأولى هي ألا تهرب من التَّحيزات، وتهمل الفوضى، وألا تعيش في بارونويا التَّحيزات، والفوضى في دنيا الخوف منها، ومراقبتها، ورصدها في السُّلوك البشريِّ من حولك في كلِّ حركةٍ، وسكنةٍ، يكفي لك أن تفهمها، وتعيد النَّظر في القرارات المصيريَّة المهمَّة في حياتك وفق الرُّؤية الجديدة التي يقدِّمها لك الكتاب.

فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.