قشرة المدنيّة.. كورونا والعمى!

  • 2
  • 1٬112
قشرة المدنيّة.. كورونا والعمى!

حين بدأ تأثير كورونا يظهر بحياتنا اليومية، شرعت في قراءة رواية (العمى) للأديب البرتغالي جوزيه سارماغو. أحداثها قد تكون سوداوية للغاية مما جعلني أشعر بالامتنان لما نحن فيه حين غلبتني المقارنة.

ككورونا ظهر العمى فجأة، لم يرجع الكاتب سبب ظهوره إلى مؤامرات سياسية واقتصادية بحتة، لقد قصد ظهوره دون مقدمات، قد يكون الغرض من الوباء رمزيته، فتناول الكاتب فقدان البشرية لبَصَرِها، وإن قصد البصيرة. 

حين يفقد الإنسان بصيرته، يتحول إلى كائن يبحث عن الطعام، والمأوى، والجنس فقط. نرى نظرية داروين معكوسة تظهر بالرواية، ويصل إلى ذهن القارئ مقلوب نظرية التطور، قد نسميها التخلف، حيث تظهر الأحداث أن التحضر والمدنية ما هي إلا رداء يغطي الإنسان البدائي يخلعه بأي وقت بدافع التكيف.

تخيلت أن تنتهي الرواية نهاية غير نهايتها، حيث يتحول العمى إلى طفرة وراثية، وينتقل إلى الأجيال التالية، ويولد رُضَع مكفوفين، عذرًا، لقد تطرقت إلى مسلسل (see) دون قصد مني.

يجب أن يكون هناك مُبصِر حتى تتحرك الأحداث، أدب العمى لا يستطيع الاستغناء عنه، فإما يواجه بالاستنكار والتكذيب من قبل فاقدي البصر كما حدث مع نيونز بطل قصة (بلد العميان) للكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز، وإما يقابل بالامتنان كما حدث مع زوجة الطبيب التي ساعدت زوجها ومرضى عيادته السابقين حتى النهاية، لقد أسرَت بصرها، وإن علِم أغلب المكفوفين حقيقة الأمر وتجاهلوه.

نحن نحتاج دائمًا إلى منقذ ليصل بنا إلى بر الأمان، حين تنفذ حلولنا من بين أيدينا. زوجة الطبيب ظهرت بدور المساعد وليس المنقذ، فقد تحملت مسئولية الجماعة حتى النهاية، لكنها لم تجد علاجًا للمرض، ولم تكتشف سببه، لذلك لم يجعلها الكاتب طبيبة، فقط جعلها حاضنة للناس، أم للجميع، تُوَفِر غذاءهم ومأواهم، جعلها الكاتب طبيعية فقط، لم تفقد حاسة البصر، هي الطبيعة الأم بلا شك.

لوهلة سيظن القارئ أن حلم العدالة الاجتماعية سيتحقق نتيجة الوباء، فالمحاجر الصحية ستخلق مجتمعات أفرادها متساوون، توفر السلطة المختصة الطعام ،وسيتم توزيعه بالتساوي، فلا فرق بين طبيب وحارس، ولا فرق بين أبيض وأسود، الكل أصابهم العمى، ، فالمال فقد قيمته وسط مجتمع العميان. ولكن حين تم عزل المرضى بالحجر الصحي، ظهر على السطح عنبر مليء بالمجرمين، استولوا على الطعام، رغم أنه مِلك الجميع، ومع اختفاء القانون؛ لخلو المحجر الصحي من الأصحاء، فُقِدَت السيطرة، وصار للمجرمين اليد العليا؛ لامتلاكهم سلاح ناري!

حتى في  أسوأ الظروف، كما يرى الكاتب، ستظهر طبقة ستتميز بأي وسيلة كانت لتحصل على أكثر من حقها الاجتماعي، والتميز عبارة عن قوة ترتكز على مكانتها الاجتماعية، منصب، ثروة، عرق، دين، عائلة. إذن لتحقيق العدالة الاجتماعية يلزم وجود قوانين وسلطة لتنفيذها وسلطة لحمايتها، وإلا سقط من حاول تطبيقها وزاغت عينه، كما زاغت أعين الخنازير برواية أورويل (مزرعة الحيوان).

الرواية صادمة، قوية، تسأل أسئلة جريئة وتطرح قضايا فلسفية واجتماعية ستبقى دائمًا مثارًا للجدل، المِحَن تظهر أحسن ما في البشر أم أسوأ ما فيهم؟ هل القيم ثابتة في كل وقت بما فيها وقت الأزمات؟ هل للوجود معنى إذا ضاع سببه؟

حازم أشرف كاتب محتوى

كاتب محتوى ومسوق إلكتروني.