أمراض الثقافة؛ نحو المراهنة على الفكر

  • 1
  • 1٬096
أمراض الثقافة؛ نحو المراهنة على الفكر

يقيم الإنسان منذ بداياته الأولى رهاناته على مجالات مختلفة في الحياة. وفي خضم كل هذه الرّهانات، رهان واحد فقط _على الغالب_ هو الذي يعدّ مربحاً ويثبت نجاعته؛ إنّه الرّهان على الفكر!

فإن كانت عديد الأمم اليوم تتخبط في المشاكل على اختلافاتها _بالرغم من الامتيازات الّتي حظيت بها ذات الأمم_ فإنّنا إن أزحنا الستار ودرسنا المشاكل بموضوعية نجد أن هذه الأمم لم تراهن على الفكر بقدر ما راهنت على السّلطة أو النفوذ. ولعلّ الجزائر من بين الأمم التي لم ترسم خارطة طريق؛ تتبنى فيه الفكر كقاعدة جوهرية بالرّغم من المواد العلمية والكفاءات البشرية الّتي تحضى بها. وها نحن اليوم نرى ضريبة الرّهانات الخاسرة على مختلف الأصعدة.

أمراض الثقافة؛ نحو المراهنة على الفكر

إنّ الحديث عن النّهضة وعلاقتها بالفكر إلى جانب الوعي التّاريخي، يدّل على أننا أمة مهزومة أمام ذاتها وتاريخها؛ إذ إنّ مصطلح النّهضة على علاقة مباشرة بالأمم المحطّمة، الّتي تجمع أشلاءها في غمامة الغبار. والكفاح مقدر فقط على الأمم الّتي يستفحل فيها اللاّ وعي الباطني حسب الفيلسوف كارل يونغ. 

يدعو البروفيسور اليامين بن تومي في محاضراته لفكرة “تأثيث الإنسان الجزائري فكرياً” الّتي هي محاولة رسم خارطة طريق نحو التّغيير؛ بمعنى صناعة فرد واعي. ويذكر أنّه لا يمكننا تحقيق هذا إلّا من خلال مشروع كبير للقراءة والتي تعدّ من أسس إنشاء فكر ووعي بمعنى جديد، حيث إنّ القراءة كانت على مدى التّاريخ؛ الفعل المركزي لبناء الحضارات والأمم الكبيرة.

تعيش أمتّنا اليوم أزمة كبيرة على كل الأصعدة، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية وحتى السياسية. ونجد أن الدكتور  اليامين بن تومي شرّٓح وضع الجزائر بدقة؛ إذ يطرح حلولا منطقية للخروج من إشكاليات الرّاهن في كتابه “أمراض الثقافة: قضايا التشويه الكبرى في الجزائر” وكانت البداية مع طرح التساؤلات، فالاشكالية الحقيقة لا تكمن في الاجابة بقدر ما تكمن في السؤال ولذلك نجد أن الكاتب دلف الى الموضوع  بطرحه لسؤال جوهري ومستفز: “ما معنى الجزائر؛ في تفكر الفراغ والثقافة؟ 

أمراض الثقافة؛ نحو المراهنة على الفكر

يفتكُّ الكاتب بهذا السّؤال مجموعة اشكاليات ضاربة في عمق الأزمة الفكرية في الجزائر؛ سواء على مستوى الفرد و المجتمع، ليجيب عنها وفقا لرؤيته، يأتي الفصل الأول موسوما  “النّهضة والوعي التّاريخي” نقرأ في بدايته تصوراً مبدئيا للنّهضة؛ إذ يقول “إنّ النّهضة ليست أمراً معقداً ولا بسيطاً بقدر ماهي إرادة بنيوية في التّاريخ فهذه الرؤية لا تقدم حلولاً ناجعة بقدر ما تحاول إختراق الكمون/ تعطّل الحس الحركي الذي أصاب البلد نحو تأسيسه للدوافع الكبرى لتفعيل إقلاع حقيقي شمولي وكلياني ولعل هذا جهد لا يدميه عقل واحد بالقدر الّذي تتظافر وتتضايق فيه جميع القدرات لتحريكه واقعا حقيقياً”.

لينتقل بعدها إلى نقطة الجزائر والأنوار، التفكير مع البشير الإبراهيمي؛ فشعار الأنوار يلخصه الكاتب في “اجرؤ على استخدام فهمك الخاص” هذه المقولة تبرز جزءًا من أزمتنا في الرضوخ للآخر والإستعانة به في التفكير عنا والعمل نيابة عن هذا الشعب بعيداً عن التجارب المغلفة فنحن بحاجة إلى تجربتنا الخاصة في النهضة  من الإبراهيمي ومنهجه المحافظ إلى محمد أركون الثائر، معنوناً هذا الجزء بـ: محمد أركون وجذور الجهل المقدس.

يقول فيه الكاتب بأن مشروع أركون ” يهدف أساساً لجعل المسلم يعيش انسجاماً مع الحداثة وايجاد مصوغات حقيقية لإعادة انتاج فهم جديد يتجاوز كل الفهوم الكلاسيكية الّتي لا تنتج إلا نموذجا تقليديا عن الإسلام”؛ في هذا العنصر يوضح  إلزامية التسلل خارج المفاهيم القديمة والصّراعات الّتي لم نعشها لهذا لا يتوجب علينا الخوض في صراعات لا تخصنا ولا يجب علينا أن نفكر بها وفيها علينا أن نؤسس لفهم يخصنا ويخص زمننا وترتيب الأمة أولوياتها في شتى الجوانب. 

يتطرق البروفيسور بن تومي في النقطة الخامسة إلى النهضة وأزمة الهويات المهدورة يقول: “إنّنا في الجزائر نملك إنساناً بيولوجياً ولا نملك كائناً زمنياً” يفكك هذا العنصر طبيعة الإنسان الجزائري من الدّاخل، ويسلط الضوء على أهم مواضع الفشل من خلال قوله: “إن الخلل الوظيفي لمشروع النهضة في الجزائر هو الإنسان الهادم للقيم” وفي الطريق لإيجاد الإنسان المضبوط الأطر كما يقول الكاتب يجب علينا أن نخوض ثورة كبرى على مستوى عقل الإنسان في الجزائر.

يعنون الكاتب الفصل الثّاني من كتابه بـ”أسئلة التّربية في بناء الإنسان” وتأتي افتتاحية الفصل بجملة تبدو مهمة جداً لفهم الجزائريين ومواطن التّصدع التّاريخي والفكري الّتي يعيشها: “إن الإنسان الجزائري يمجد التّاريخ بشكل مرضي يجعله هو المركز الذي رسخ فيه هويته ومركز الجذب الأكثر حضوراً في واقعه حيث تعود نفس الخصومات القديمة لتصنع راهنه إنه قتل الحاضر من خلال الرّمزيات الحديثة والشخصية التي تشبثت بالتّاريخي إلى  حد عنيف..”

كما يخوض في الإنسان والفكر وسؤال اللّغة وقضايا الأصولية والأنديجان وإشكاليات التّربية ومزجها بوصفة علاجية وفق منظور الكاتب لهذه القضايا العميقة التي صنعت منا جيلا هشّا يقتل كل ما هو جديد وجميل في هذا الوطن.

في الفصل الثّالث الموسوم “مشكلات الثّقافة وقضايا أخرى وهي حوارية تطرق فيها لمشكلة صمت والكلام عند الجزائريين، فالأسئلة التي يطرحها هنا في هذا الفصل هي هدّم للثقافة والمثقف وبناء له في نفس الوقت من خلال اكتشاف مواطن الثقوب السوداء في جدار الثقافة والأزمات التي تعيشها وقضايا الريع الإشتراكي الّتي استبدت بالمثقفين وعن مستوى الثقافة والمثقف وعلاقته بالسّلطة والهزائم المتبادلة.

في الختام نجد أن الكتاب يحتوي على العديد من التساؤلات المستفزة والتي تدفع بالقارئ إلى التفكير بجدية في الوضع الراهن، وهي محاولة من الكاتب ليبعث برسالة إلى كل الفئات المختلفة من المجتمع ليحاول كل من موقعه أن يعمل على انجاح النهضة التي هي في نظر الكاتب مشروع كبير. في المقابل يحتج الكثير من المشككين أن العلم دون عمل لا قيمة له، لكن علينا أن نتصالح مع أنفسنا ونعترف أن مشروع غرس الفكر الصحيح في أمة تخبطت وتمرغت في أزماتها على طول سنين ليس من الامور السهلة، لذلك فإن الايمان بالفكرة فقط في حد ذاته تعتبر انجاز عظيم. 

نورالدين خنيش طالب دكتوراه