عبادة المشاعر.. بين الإحساس والإصطناعيّة!

  • 2
  • 4٬472
عبادة المشاعر.. بين الإحساس والإصطناعيّة!

“نحن في عصر لكي نشعر فيه بالحياة نحتاج إلى تجارب عنيفة”.

هذا ما يتناوله كتاب عبادة المشاعر للفيلسوف الفرنسي ميشيل لكروا. دراسة لظاهرة تقديس المشاعر القوية والانفعالات الصاخبة في هذا العصر، أصبحنا نندفع لهذا النوع من المشاعر الثائرة مفضليها على أحاسيس التأمل والخشوع.

وسائل الإعلام أصبحت تركز على الجانب الانفعالي في موادها المطروحة، خالقة بذلك معياراً جديداً لنجاح الأعمال وهو الانفعال تجاه العمل الفني عوضاً عن الإعجاب به. حتى أصبحت مسألة المشاعر عنصراً أساسياً في حملات التسويق.

إنه العصر الذي يتميز بطغيان المشاعر وتضخيمها!

“الناس يضخمون أحاسيسهم ولكنهم لا يترددون في إساءة استعمالها”.

إن الشغف بكل ما هو مخالف للعادة نابع من الرغبة بالقيام بتجارب عاطفية استثنائية. والبحث عن مغامرة مثيرة وتذوق مشاعر جديدة وطاغية. كما أن الميل إلى إحياء الذكريات وتقديس الماضي يدخل في إطار العودة للمشاعر.

أما بخصوص الأسباب التي أدت إلى نشوء عبادة المشاعر فيُحيلها لكروا إلى أنها وسيلة لتعويض الفراغ الذي سببه إنهيار الأيديولوجيات وعدم وضوح الرؤية المستقبلية واليأس من القيام بعمل سياسي ضخم أو إحداث تغييرات جذرية في حياة الشعوب. فكانت النتيجة هي التقوقع داخل الحياة العاطفية.

“بما أن العالم لا يمنحني الفرصة للتأثير فيه، فإنه لا يبقى لي إلا أن أمارس قدراتي على نفسي. هذه الأخيرة ستتركني على الأقل أنفعل بفعل الاهتزازات اتي سأحدثها”.

أما عن النموذج المثالي لعصرنا يقول لكروا: كل فترة من التاريخ لها نوع إنساني مثالي. مجتمع العصور الوسطى عرف الفارس النبيل الشهم. عصر النهضة خلق رجل البلاط، وهو خليط متجانس من اللباقة والأناقة والفضيلة والإخلاص للأمير. القرن السابع عشر تميز بالرجل النزيه، القرن الثامن عشر الفيلسوف المتنور والتاسع عشر البرجوازي الفاتح. أما عصرنا الحالي ذو النزعة الفردية المتطرفة، فهو الكائن الذي يقدس المشاعر، الرجل العاطفي، الإنسان الحساس.

هذا الحرص على الذاتية يسير متوافقاً مع روح العصر. فعبادة المشاعر تقلب الترتيب الطبيعي لقدرات الروح حسب لكروا وتزيح العقلانية من القاعدة، بالنسبة لها الوجود الحقيقي للإنسان ليس ما يرفعه إلى العقلانية بل ما يرده إلى الحسية وبدائية الحواس.

أشار لكروا إلى الصورة المعاكسة للإنسان الشعوري، المتمثلة في الحكيم الرواقي. فالرواقية سنّت قواعد للحياة بالصبر وعدم التأثر ولا مبالاة الروح. وتدعوا إلى تحكيم العقلانية على المشاعر الرقيقة. بعكس عبادة المشاعر التي أقامت المعرفة على أساس الشعور بالوجود والتفاعل معه، واعتبارها أداة لتحقيق الذات.

“الإنسان المعاصر لا يقول أنا أفكر إذن أنا موجود، ولكن أنا أحس إذن أنا موجود! إنه يستمتع بالإحساس بالمشاعر ومعاينة كونه يحس بها من خلال مشاهدته لذاته. عبر نوع من الازدواجية والانعكاس، يحاول أن يستمتع مرتين، الأولى وهو مأخوذ بالشعور، والثانية بالوعي بهذا الشعور.”

وفي جانب آخر، ينفي لكروا تعاكس التأمل والشعور، بل هما متوافقان حسب رأيه. إن التأمل موجود لإمدادنا بمتعة عميقة وخالصة، فالانغماس في أعماق الأنا عن طريق التأمل لا يتم الاستغناء فيه عن العاطفة للارتقاء لدرجة السكينة، بل إن المتأملون يعتبرون الروح مصدر للذة، فهم يؤكدون على أن الحفر العميق في النفس يؤدي إلى اكتشاف ينبوع من الفرح اللامتناهي.

“التأمل يزيح المشاعر السطحية ليُحل محلها المشاعر التي تأتي من نواة الشخص. يتخلص من الطبقات السطحية للحياة الشعورية، ليصل إلى أماكن مطمورة في الطبقات العميقة للانا. قليلٌ من التأمل يبعدنا عن المشاعر، كثير من التأمل يردنا إليها.”

أما بخصوص المشاعر المشتركة التي تربط الفرد بالكيانات الأخرى، يرى لكروا بأنها أداة أساسية لإعادة تشكيل الرابط الاجتماعي وبناء الأوطان، إن الحاجة لتوطيد الرابط الاجتماعي لدى الأشخاص تجعلهم يندفعون بشكل حماسي للالتحام الاجتماعي والتوغل داخل الكتلة والشعور بحمى الحشد والانبهار بطاقته القوية في اتحاد ضمن أشخاص يشبهونهم.

وفي الميول الاجتماعي لما بعد الحداثة، يرى لكروا بأن المشاعر الجماعية الضخمة يكون لها تأثير أكبر كلما حققت توازناً رفيعاً بين روح الالتحام والروح الفردية. فما إن ينتهوا من المشاركة في نشوة جماعية ويسلمون أنفسهم لروح الحشد، يرجعون بهدوء إلى بيوتهم ويستردون ملكية ذواتهم.

“هكذا هي جاذبية المشاعر الجماعية، إنها تكرم في آن واحد حاجة الانتماء إلى القطيع وحاجة الانفرادية، إنها تمتع معاصرينا برابط اجتماعي كثيف دون الخضوع لضغط المجموعة”.

قسم لاكروا المشاعر إلى نوعين، مشاعر متدفقة، مفاجئة كأنها انفجار وهي مشاعر الصدمة، وأخرى تعبر عن حالة داخلية هادئة وشاعرية وهي مشاعر التأمل. الأولى تخدم الفعل وهي أداة الجسم الفاعل، بينما الثانية تخدم الحس وهي مرتبطة بالقلب.

وفيما تساعد مشاعر الصدمة على البقاء على قيد الحياة، تمكن مشاعر التأمل من الاستمتاع بنكهة العالم. تشكل مشاعر الصدمة زينة الحياة المجنونة، المهتزة والمتهيجة لكنها في النهاية قليلة العمق. أما مشاعر الإحساس فهي تتحلل في العمق فتساهم في تأمل الشخص لذاته وتعرفه على خصوصيات نفسه بترسبها داخل الوعي.

إن حياتنا العاطفية تعاني من اختلال راجع إلى الإفراط في مشاعر الصدمة والنقص في مشاعر التأمل.

“الإنسان المعاصر يفضل المشاعر المتفجرة على الأحاسيس المخففة والدائمة، يعطي قيمة للتفجر العاطفي أكثر من التعبير الشاعري، للترانس أكثر من الانشراح، للأدرينالين أكثر من التأمل، يبحث عن فرص الارتجاج والانطلاق الهستيري. حياته العاطفية عبارة عن حركة وليس خشوع”.

إن حالة التفجر الشعوري الممتعة تجعل الفرد يركض بنهم خلف المزيد منها، لأن هذا النوع من المشاعر مؤقت التأثير ولا يستقر في الأعماق ولا يترك سوى أثر آني سرعان ما يزول. وذلك الركض المستمر يدفعه نحو التطلع الدائم للمستقبل، لا يلفته الماضي ولا تعنيه اللحظة، هو كائن استهلاكي يبحث عن اللذة في الشعور الجارف.

“كيف يمكننا التوقف عن تعاطي مشاعر الصدمة؟ كيف يجب توجيه الحياة العاطفية لكي تساهم في ثقافة الروح؟ ما هو الاستعمال الصحيح للمشاعر؟”

يرى لكروا بأن علينا تقويض مشاعر الصدمة بمشاعر التأمل ولا يتم ذلك إلا إذا تبنينا موقفاً مستقبلاً ومنفتحاً تجاه العالم. ويشير إلى مصطلح “الجاهزية” التي أطلقها اندريه جيد بتلقينه فن تذوق الكائنات والأشياء والمناظر الطبيعية بقوله “كل جديد يجب أن يجدنا بكامل الجاهزية”. أي نقيم مع العالم علاقة ود مبنية على الانفتاح والاستقبال.

وبدل عقلية الارادة والتخطيط والقوة والبنائية التي ألهمت حماس البشرية في القرن العشرين، تقابلها عقلية الانتباه التي رسمتها فلسفة سيمون فايل.

“لم يعد الأمر بتغيير العالم بالإرادة ولكن بالسماح بوجود الكائنات والأشياء واعطائها اهتمامنا وجعل وجودنا بجانبها خفيفاً”.

ثم تناول لاكروا المبادئ التي تقوم عليها عقلية الانتباه هذه:

التمهل يعلم الإحساس: التمهل يوسع الفضاء الضيق بين الماضي والمستقبل، فيعطي السُمك للحاضر، الإنسان الذي يتمهل في فعل الأشياء يمكنه أن يستخلص العصارة الشعورية في نفس الزمان والمكان، أن يتذوق نكهة الحياة ويستفيد من المشاعر الناعمة للحاضر.

الإنصات لصوت الكائن: الجاهزية كذلك تكمن في اللامبالاة. فالتحلي بالجاهزية يفرض الاهتمام بما هو بسيط وعادي. اكتساب خاصية التأمل يتحقق من خلال إعادة الاعتبار للأشياء الصغيرة.

السماح بكينونة الكائن: الجاهزية يفترض فيها أيضاً التنازل عن القوة. لا يمكننا أن نسلم أنفسنا للعالم و أن ننغمس فيه إذا حصرناه في حدود الفعل. كمجال خاضع لسلطتنا. الرغبة في السيطرة تقتل المشاعر الرقيقة.

أما في تحليله لبعض العراقيل..

ذكر الخوف من خطر الغيرية: ويعني به التأثير الخارجي الذي قد يغيرنا، ما يدفعنا إلى البحث عن مواقف القوة والسلطة والتحكم لحماية أنفسنا من المشاعر. إننا نفضل أن نضغط العالم على أن نتركه يضغط علينا. إننا نحركه حتى تمنعه من تحريكنا.

من العراقيل أيضاً، وهم الاستقلالية: عائق آخر من طريق الجاهزية يكمن في الاعتقاد باكتفائية الذات. لا يمكننا أن نكون منفتحين على العالم إذا كنا مقتنعين بأننا نحقق الاكتفاء الذاتي لأنفسنا.

تحدث عن انفعال الروح، وأن ديكارت وضع الإعجاب في الصف الأول لعواطف الروح. كل ماحولنا يمكن أن يثير الإعجاب هذه العاطفة الحقة التي تليق بمشاعر ذات أثر عميق في باطن الإنسان.

في نهاية الكتاب تناول لكروا موضوع الإعجاب، مؤكداً أن الإعجاب يفتح الحياة الباطنية على مشاعر عليا وللوصول إليها علينا العيش في حياة باطنية غنية ونشيطة، يجب التواجد في العالم في حالة جاهزية، للعيش في حياة روحانية، يجب أن يكون هذا التواجد مطعماً بالإعجاب.

إن تقديس اللإعجاب هو ما يريد هذا الكتاب الدعوة إليه، فالإحساس بالإعجاب ينمي الروحانية وينمي كذلك المواطنة. ويساعدنا أن نكون إجتماعيين أكثر.

“يجب أن نسعى إلى إيقاظ الشاعر الذي ينام بداخل كل واحد منا”.

ختاماً أراد ميشيل لكروا في هذا الكتاب التأكيد على أننا نحتاج إلى شاعرية حقيقية وليس إلى أدرينالين، وأننا نحتاج إلى أن نفسخ العقد الذي تم ربطه بين الإحساس والإصطناعية، لنصلح قدرتنا على الاهتزاز لما هو طبيعي وجميل.

نجوى الكناني كاتبة

لي تجربة شعرية وإصدار أدبي. كاتبة نثر.