الإرادة الحرة.. بين المادية والروحانية (الجزء الأول)

الإرادة الحرة.. بين المادية والروحانية (الجزء الأول)

هل للإنسان إرادة حرة؟ هل للإنسان سلطان على تصرفاته؟ وهل الإنسان مسئول عن تصرفاته؟ أم أن الأمر برمته ما هو إلا مجموعة المواد الكيميائية التي تتصرف وفقًا لقواعد الفيزياء؟

لطالما كانت تلك الأسئلة شاغلة للعقل البشري. وبالتحديد ما بين تصور مادي يؤول إلى ما سنعرفه باسم الحتمية، أو نسخة أخرى مُشابهة عندما يكون الإله هو الذي يتحكم في أقدار الإنسان، فيما سيُعرف باسم القدرية! وهل هناك آراء أخرى في تلك المسألة، هذا ما سنحاول إيجازه بقدر الإمكان.

الحتمية Determinism

لو نظرنا للإنسان بطريقة تشريحية مجردة: أعضاء الإنسان مكونة من خلايا حية، والتي بدورها مكونة من مجموعة من المواد الكيميائية كالبروتينات والدهون. وتتواصل عبر سلسلة من الأعصاب التي تنتقل فيها الشحنات الكهربية على شكل أيونات. وفي النهاية كل المواد ما هي إلا جسيمات خاضعة لقوانين الفيزياء. وهو ما يُمكننا تشبيهه بنظام في غاية التعقيد لكن مكون من قطع دومينو في ترتيبٍ معينٍ، تتدافع فيه القطع مؤدية أدوار مختلفة.

هذه هي نظرة الفيزيائيين الكلاسيكيين أمثال نيوتن ولابلاس للإنسان وللكون بأكلمه. الكرتان اللتان على وشك التصادم لو علمت متجه السرعات، وكُتل الكرات وكل شيء حولها، ستعلم بدقة متناهية ماذا سيحدث لهما. ببساطة إنها قوانين الفيزياء، وهذا ما ينطبق على كل شيء من حولنا في هذا الكون، بما فيهم الإنسان. فالكون ما هو إلا آلة تروس عملاقة. بمعرفة كل التروس فيه، والقوانين المتحكمة فيها ستقدر أن تعرف كيف تتصرف هذه الآلة، ستحدد ما هو الماضي والمستقبل. كل شيء مُحدد سلفًا بناء على القوانين، وعلى الظروف الأولية لهذا النظام أو ما يُعرف بالـ initial conditions.

الإرادة الحرة.. بين المادية والروحانية (الجزء الأول)

أثر الفراشة

بالطبع حلم التنبؤ بالمستقبل الكامل لم يُكلل بالنجاح. وذلك لافتقارنا المستمر للعلم التام، ولأن أقل مقدار جهل في دقة أي قياس في أنظمة معقدة يؤدي إلى تغيير رهيب بالنتائج، وهو ما اشتهر باسم (أثر الفراشة). الطقس نظام معقد جدًا، نظام فوضوي، ولا يخدعك اسم (الفوضى)، فهو بالطبع خاضع لكل قوانين الفيزياء لا يتخلف عنها.

لكن علمنا نحن بكافة المعلومات عن الحالة الحالية للطقس هو أمرٌ مستحيل، وأقل تغيير في درجة الحرارة أو الضغط أو الرطوبة أو سرعة الرياح وغيرهم.. يؤدي إلى نتائج متراكمة متتالية تجعل من أبسط التنبؤات أمرًا عسيرًا، لدرجة أن رفرفة جناح فراشة كافي لإحداث تراكمات تغير من وجود إعصار في الطرف الآخر من الكوكب.

ولكن مع ذلك فنظرة الفيزيائيين إلى الكون المكون من تروس لم تتغير. فقط نحن نعلم بأن ما نراه عشوائي، هو الأمر الذي لا نملك عنه قدر كبير من المعلومات، فتقل درجة التنبؤ لدرجة تجعلنا لا نعمل ماذا سيحدث. فحدث مثل إلقاء عملة أو حجر نرد يمكن التنبؤ به لو جمعنا المعلومات عنها بالقدر الكافي. وبالفعل فإن هناك من يصمم آلات ترمي العملة بشكل دقيق للغاية بمعرفة كتلتها، وحجمها، ومقاومتها للهواء وفي وجود بيئة نتحكم في التغييرات في الهواء، فإن تلك الآلة تستطيع رمي العملة وتوقع على أي وجه ستقع بدقة عالية. ومع كل ما قولناه فجهلنا نحن كبشر لا يعني بأن الكون ليس حتمًا.

هذه النظرة الحتمية كانت هي نقطة ضعف فكرة وجود إرادة حرة للإنسان. لأنه ببساطة ليس إلا جزءًا من هذا الكون. ومهما بلغ من تعقيد في تركيب دماغه، فلا يزال يتكون من أجسام مادية خاضعة بالكلية لقوانين الفيزياء. فمع الحتمية لا معنى للإرادة الحرة للإنسان. وما يبدو كأفعال عشوائية أو حتى اختيارية ما هو تحصيلٌ حاصل لكل شيء حدث في الماضي.

تجارب حول الإرادة الحرة

تم صياغة عدة تجارب تُشير إلى تلك الفكرة الحتمة، أنت ما إلا نتاج التفاعلات الكيميائية في دماغك. تقلص حدقة العين ما هو إلا نتاج ورد فعل كيميائي عندما تسلط الضوء على عينك. كذلك اختيارك لشريك حياتك، ودراستك، ما تحبه وما تكره، وقيامك بأي فعل ما هو إلا رد فعل وحيد لكل الأحداث السابقة في الماضي. ولو تخيلنا الأمر كشريط فيلم مُسجل عليه ماضيك، فسيكون مستقبلك أيضًا موجود على هذا الشريط كنتيجة حتمية. ما أنت سوى روبوت تتصرف وفق ما تم برمجتك عليه.

تجربة مثل تجربة (بنجامين ليبيت) في توضيح الفارق بين ما تظنه أنت قرار قد اخترته وبين من يسجله عقلك تلعب على وتر الحتمية هذا. فما كان من ليبيت إلا أنه كان يطلب من المشاركين في التجربة أخذ قرار بتحريك ذراعهم أو الضغط على زر. وتحديد بالضبط متى فكر في هذا القرار. وأما ما تم تسجيله من قرارات الدماغ هو أن الدماغ كان قد اختار قبل بضع مئات من الملي ثانية من قرار الشخص نفسه.

تجربة أخرى هي تجربة (ويلدر بنفيلد) التي تتعلق بتوصيل موصلات إلى الدماغ وتحفيز مناطق معينة في الدماغ. وذلك لتحريك ذراع الشخص المشارك في التجربة، أو حتى منعه من تحريكها رغمًا عنه. أما مدى قدرتنا على رسم استنتاجات من تلك التجارب فهو أمر قابل للنقاش. فهل النشاط الدماغي السابق بتلك الفترة الوجيزة أمر يُعول عليه أم هو من قبيل عدم الدقة.

وهل المفارقة في تجربة بنفيلد أن الفريق الآخر يقول بأنها دليل على وجود شيئين منفصلين؛ الأول الرغبة البشرية، والثاني هو تفاعل ونشاط الدماغ، لأنك هاهنا قد تحكمت في نشاط الدماغ، ومع ذلك هناك رغبة ما متواجدة لدى الشخص.

جاءت بعد ذلك نظريات ميكانيكا الكم لتحطم آلة التروس الموجودة في الكون. فهي تقول بأن الأحداث الكمية هي عشوائية في حقيقتها، أي لا يوجد أي قوانين حاكمة لها، مجرد عشوائية لا يُمكن التنبؤ بها مهما بلغت من العلم. ولكن هل تخدم النظرة فكرة الإرادة الحرة للإنسان؟ هنا المشكلة أننا سوف ننسب الأفعال البشرية إلى محض عشواء، فهاهنا لا يوجد اختيار أو إرادة.

ماذا بعد الحتمية

ما هي التبعات القانونية على مبدأ الثواب والعقاب ومُحاسبة الأشخاص على أفعالهم في ظل هذا التصور الحتمي للكون؟ الحق أنه لا يُمكن التعويل على قوانين الفيزياء في أفعال البشر في شيء، ولا يُمكن تبرير أي جرائم على شماعة قوانين نيوتن والديناميكا الحرارية. وذلك لأن مدى التعقيد في الإنسان والمجتمع وعدم قدرة أي شخص على التنبؤ القطعي للمستقبل يسد الطريق أمام فكرة ترك محاسبة البشر بالكلية.

مدى عشوائية إلقاء عملة أو حجر النرد بالنسبة لنا كبشر يعجل استخدامنا له أمرًا عادلًا، كذلك أفعال البشر. فحتى لو كان تموضع كل الأجسام في الكون عند اللحظة  من الزمن تحدد بشكل أساسي ما سيؤول إليه في اللحظة  فهو أمر خارج عن قدرتنا على تصوره، ولا يُمكن أن يُعول عليه.

وعلى العكس تمامًا، فلو صنع شخصٌ ما روبوتًا وسلَّحه وبرمجه على قتل إنسان، فذلك الشخص سيكون مُحاسبًا على فعلته تلك. رغم كونها سلسلة من الأحداث المتتالية وليسًا قتلًا مباشرًا. من العدل بالقول بـ”تعمد الأفعال” حتى في ظل وجود حتمية للكون، كما كان من العدل استخدام النرد في توليد أرقام عشوائية.

الجبرية التامة لا يُعول عليها في شيء

من المثير للضحك أن من يتبني فكرة الجبرية التامة في كل شيء في الأفعال، لا يُمكنه تبرير أي شيء ولا يُعول عليها في شيء. وذلك لأنه لو قال أن الاغتصاب ما هو إلا جبرية تامة لا يُمكنها أن تتخلف، فكذا يُمكن أن نقول على محاسبته بالسجن أو أي عقوبة بأنها ما هو إلا جبرية تامة أيضًا. وإلا لا معنى من محاولة اقناع أي شخص بوهم “الإرادة الحرة” وكل تلك المحاضرات والكتب هي عبث، لأن الشخص إما مجبر على الاعتقاد بالإرادة الحرة أو مجبر على عكس ذلك، وهذا ما لم يقله أحد. تلك الفكرة والتصور الحتمي لن تعفي أي شخص من المسئولية.

جريمةٌ أم مرضٌ نفسي؟

في عام 2000 ألقي القبض على رجل بعد تحرشه بفتاة صغيرة السن، رغم أن في تاريخ هذا الرجل لم يكن يُعاني من البيدوفيليا وكان هذا تغير مفاجئ في ميوله. وبسبب الصداع الذي أصابه تم عمل مسح دماغي له، مما كشف عن وجود ورم. المفاجئة أنه بعد أن تمت إزالة هذا الورم زال معها ميوله للأطفال. لكنها عادت بعد عام مرة أخرى، مما دفعه لعمل مسح دماغي آخر، ليكتشف عودة الورم أيضًا.

الحتمية المعتدلة soft determinism تفرق ما بين الأفعال التي يقوم بها الفرد بدوافع داخلية، عن تلك التي تحدث بدافع خارجي، رغم أن كلا الفعلين كان حتميًا. وذلك التفريق حتى يكون للعواقب الأخلاقية معنى. قفز الشخص من أعلى مبنى يختلف بشكلٍ ما عما إذا ما دفعه شخصٌ آخر.

ماذا عن ذلك الورم الذي تكلمنا عنه؟ هل هذا الشخص مُحاسب على أفعاله؟ هل هناك فارق ما بين الشخص المجنون والشخص العاقل؟ كلاهما يدفعه دماغه للقيام بأي فعل. وما الفرق ما بين الورم الدماغي وبين الدماغ بأكمله الذي تتحكم فيه مواد كيميائية وفقًا للعديد من العوامل؛ مثل الوراثة، والتربية، وتأثير الأقران، والكثير والكثير من العوامل النفسية الخفية التي تستغلها شركات التسويق للتأثير في اختياراتك.

البعض يرى بأنه يجب الاستغناء بالكامل عن مبدأ الثواب والعقاب. سواء بأحكام مثل الإعدام أو السجن أو الإقامة الجبرية أو الغرامات. ويُستبدل ذلك بالمصحات النفسية التي تُعالج أي مجرم ليصبح فردًا فعَّالًا في المجتمع. التصور الحالم لهذا المجتمع اليوتوبي لم يصل إليَّ، وإنما نظرت للأمر من الواقع العملي.

هل الثواب والعقاب هدفه فقط تحقيق العدل بعد ارتكاب الجرائم؟ الحق أن الموضوع أشمل وأعم من ذلك، فالعقوبات هي في الأصل روادع لمنع الفعل من البداية. قد يقول قائل بأن العقوبات موجودة منذ أمدٍ بعيد، وكذلك الجرائم، فهذا الردع لم يتحقق. نعم صحيح فهو لم يتحقق بتمامه، ونعلم بأن فساد الأخلاق لن يزول أبدًا.

والآن تصور معي هذا المجتمع الذي ألغى العقوبات تمامًا واستبدله بإقامة مريحة تتعالج فيها بدون أي نفقات إلى أن تم إعادة تأهيلك وتصبح فردًا فعَّالا في المجتمع. كيف سيكون أثر ذلك على باقي المجتمع؟ إن حتى بعض المجرمين يحافظون على خط مانع لأنفسهم تخوفًا من بشاعة العواقب. وبالتأكيد الابتعاد التام لبعض الأشخاص عن الجرائم لهو مدفوع بذلك التخوف. ماذا سيحدث عندما تختفي تلك العواقب؟ وكيف سيتشجع الكثير على السرقة أو الاغتصاب أو حتى قتل من يكره، وهو يعلم أنه إذا ما تم القبض عليه، قد يحصل على معيشة أفضل حتى مما هو عليه الآن!

أحمد عبد الناصر كاتب