الإرادة الحرة.. بين المادية والروحانية (الجزء الثاني)

الإرادة الحرة.. بين المادية والروحانية (الجزء الأول)

كما تعرفنا سابقًا عن كيف أثرت الأفكار من الفيزياء وعلوم الأعصاب على نظرتنا لماهية الإرادة الحرة. وكيف خلقت معضلة وهم الإرادة الحرة. وهمٌ لابد منه حتى يكون هناك مجتمع يتفاعل فيه الناس بعضهم مع بعض.

ورغم تلك النظرة للحياة التي يُمكننا تشبيهها باللاعب الممسك بذراع التحكم في اللعبة، ويتفاعل معها بالسعادة عند الفوز والغضب عند الخسارة. ثم تفاجئه بأن ذراع التحكم أصلا لا يعمل، وأن اللعبة كانت تعمل من تلقاء نفسها. فجأة تتبخر كل تلك المشاعر، وحتى يقبل البشر في الاستمرار في لعبة الحياة تلك، عليه أن يشعر بأنه هو السائق الذي بيده مقود التحكم. وليس السيارة نفسها التي تتحكم فيها مجموعة من الأكواد مسبقة البرمجة، وحتى تفاعلها مع العالم الخارجي يكون وفقًا لتلك البرمجة.

التخيير والتسيير

وعلى غرار المادية، واجهت المذاهب نفس المعضلة لكن من الناحية الدينية. فبالإضافة إلى مبدأ (السبب والنتيجة) وتحكم قوانين الفيزياء في الكون، كان هناك إله هو خالق كل شيء في الكون. إله قدير All powerful. إله عليم All knowing مقدرٌ لأحداثه حتى قبل خلق الكون. ومصير كل إنسان مكتوب ومعلوم، قد كُتب قبل أن يولد، ومع ذلك سيأتي يوم يُحاسب كل شخصٍ على أفعاله.

فكانت فكرة (الجبرية)؛ أنت مجبرٌ على كل أفعالك، مُجبر على الطاعة والمعصية، على الإيمان والكفر.

إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم … ولم يرضه مني فما وجه حيلتي

الإيمان بالقدر خيره وشره هو سادس أركان الإيمان. والاعتقاد بأن الله قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، لا يخرج شيء عن سلطانه هو واجبٌ. إذن فكيف يقول الله “ولا يرضى لعباده الكفر” (الزمر:7)، وهل يقع شيء في الكون على غير مراد الله؟

هنا فرق علماء الإسلام بين نوعي الإرادة؛ الإدراة الكونية، والإرادة الشرعية. الإرادة الكونية هي سنن الله في خلقه، لماذا كتلة الإلكترون بهذا الرقم؟ الإجابة لأن الله أراد ذلك، وكل النواميس المترتبة على هذا هي إرادة الله الكونية. عواقب الأمور حتى وإن كانت حتمية هي من خلق الله وإرادته وقدرته على إنفاذ تلك الإرادة بتحققها. إذا ما رمى الإنسان نفسه من شاهقٍ فالنتيجة المترتبة على ذلك هو موته. وعلاقة السبب بالنتيجة هي من إرادة الله، ولو شاء لأبطل الله كل الأسباب في الكون.

والمعنى الثاني للإرادة هو الإرادة الشرعية، أي ما يُحب الله لعباده أن يفعلوه. فالله يريد لهم الهداية، والطاعة، ولا يرضى لهم الكفر والمعصية. فإذا أردت أن ترفع يدك لتقتل شخصًا ما، فالله قادر على أن يُعطل يدك عن ذلك. وإذا ما أردت ألا تقوم للصلاة، فالله قادرٌ على تحريكك لتؤديها.

ملائكة وشياطين

من المعلوم أن الملائكة لا يملكون حرية اختيار. لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فلا قدرة لهم على ارتكاب المعصية أصلًا. وعلى الجانب الآخر أراد الله أن يخلق مخلوقات مُريدة، قادرة على الاختيار ما بين الطاعة والمعصية. فخلق الجن والإنس. ورغم علمه تعالى بكل ما سيحدث في المستقبل، خلق الله الدنيا كاختبار لهما. وأنفذ إرادتهما لأن هذا هو مناط الاختبار. فإن أراد السارق أن يسرق، أنفذ الله له ما أراد. ولو أن الناس كلما هبوا بمعصية منعوا، أو تقاعسوا عن طاعة أجبروا، فكيف يُختبرون.

تخيل أنك في لجنة امتحان. المشهد الأول أن إذا هممت بحل الأسئلة بطريقة خاطئة، أمسك المُمتحن بيدك وجعلها تكتب غير ما أردت. والمشهد الثاني أن يداك مشلولتان ، وطلبت من المُمتحن أن يُحركها لك وتكتب ما تُمليه عليه. فأي المشهدين أحق بأن يوصف بأنه اختبار عادل لمعرفتك وعلمك؟ بالتأكيد المشهد الثاني. فهكذا هي العلاقة بين إرادة الإنسان وأفعاله. فرغم أن أفعالك هي بقدرة الله، إلا أنه أنفذ لك تلك الأفعال وفقًا لإرادتك أنت.

هنا لم نقع في معضلة كتلك الأديان التي حاولت تبرير وقوع الشر منك أو حتى من الجمادات كالكوارث الطبيعية على أن هناك إلهان؛ إله خيرٍ وإله شرٍ يتصارعان فيما بينهما. بل هو إلهٌ واحد خبير، أراد لك حرية التصرف بارتكاب الشر متى شئت ثم نهاك عن أن تأتيه. كما خلقك في كونٍ خاضعٍ للنواميس. فإن قفزت من على جبلٍ ستموت، ولو نزلت في عمق البحر وأنت لا تسبح فستغرق. فلا تتكاسل عن العمل والسعي، فيضعك في الاختبار تلو الآخر، أتقبل بالسرقة؟ فأنت تعلم أن ناموس الكون يقتضي منك العمل وإيجاد الرزق لتأكل وتشرب. ثم يضعك في اختبارٍ آخر، فتُصاب بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات. من أسبابٍ طبيعية كالجفاف والزلازل، أو أسباب بشرية كالحروب والفساد، أتصبرون أم تجزعون؟ ثم يختبرنا بعضنا ببعض. نفتن بعضنا ببعض. سواء عن عمد أو حتى عن مشاعرٍ غريزية، فأولادكم وأزواجكم وأهليكم فتنة لكم، أتنفذ غريزتك، أم تطيع أمر الله؟

إنَّ أصحاب فكرة (القدرية) لا يملكون حق الاعتراض بأي وجهٍ من الأوجه. فلو قال أنا لا أملك إرادة حرة أصلًا، ولا أملك أن أرغب بنفسي، أو أطلب بنفسي، أو أريد بنفسي، وإنما أنا مجرد آلة يتحكم فيها الإله بالكامل. فهذا الشخص بعد أن نفى كل هذا أن نفسه، ونسب التحكم التام فيه لله وفق إرادته سبحانه. فما يمنع الآن من أن يُلقي به في النار وفقًا لإرادته وتحكمه التام. فهو خلقك ويملكك ويملك التصرف فيك أيما شاء.

الإرادة الحرة خارج الحتمية

لو أن كل الجسيمات في الكون تتحرك وفق قوانين الفيزياء، فعن أي إرادة تتحدث؟ ها هنا يأتي التصور الغير مادي للإنسان، فمن قال بأن الإنسان ما هو إلا مادة؟ فالإنسان مكون من جسد وروح. جسد مادي خاضع للأسباب المادية وخاضع لقدرة الله بإرادته الكونية. وروح غير مادية، لا تحكمها قوانين نيوتن، بل لا نعلم عن ماهيتها شيء.

هذا هو المسمار في نعش الحتمية المطلقة. فها هنا لا نتحدث عن تقلبات كمومية عشوائية قد تكون مؤدية بشكلٍ أو بآخر لحرية الأفعال. بل نتكلم عن جزء في الإنسان ذاته، نتكلم عن مخلوق مغاير لكل المخلوقات الأخرى، فحتى كون الملائكة كائنات غير مادية. لكننا نتمايز عنها بقدرتنا على سلك أي السبيلين أردنا، سبيل الرشاد وسبيل الضلال.

فإن كانت الإرادة الحرة خارجة عن الحتمية المادية، فهل هي خارجة عن إرادة الله في تسبيبها؟ فإن كانت الإجابة نعم فقد نسبت لله ما هو خارج قدرته، وإن قلت لا فقد وقعت في نفس الإشكالية.

والإجابة هي لا، لكن دعونا نفكك تلك الإشكالية حتى لا يتبقى منها شيء. تخيل أن هناك دائرة كبيرة هي (إرادة الله) وبداخلها دائرة أخرى هي (إرادة الشخص). هنا نقول بأن الله قد اختار أن يكون هذا المخلوق المسمى بالإنسان له إرادةُ حرة في اختبار الفعل أ أو ب. فلو اختار الشخص أيًا منهما فهو واقع في إرادة الله من حيث كونه أراد له حرية الاختيار، وليس من حيث كونه أراد أن يُريد هو أن يختار إحداهما. ترى هذا محيرًا؟

في الحقيقة إن الحيرة ليست ها هنا، وإنما الحيرة الحقيقية هو أننا نريد أن نفهم الآلية. فبالله عليك كيف تصنع روبوتًا ثم تضع فيه إرادة حرة؟ سنحتاج إلى التعريج على بعض المفاهيم من علوم الحاسب حتى نستوضح الصورة.

كيف تصنع روبوتًا مخيرًا؟

كانت هناك أزمة في كيفية صنع آلة تولد أرقام عشوائية. ففي النهاية أي برمجة مسبقة للآلة هي مُحدِّدة لتلك الأرقام لا محالة. فحتى إن بدأت صورة الأرقام عشوائية، ألا أنها على الحقيقة غير ذلك. هناك طريقة استخدام الأرقام الغير منتهية مثل العدد  pi. فيُمكن أن أبرمج حاسوب أن يظهر رقمًا رقمًا من تلك خاناته، أو يقفز كل 3 خانات.. أو يقفز ثم يجمع على الرقم واحدًا أو أو.. لكنك ما إن تقوم بفتح هذا الجهاز ورؤية المخطط الداخلي Blueprint أو الأكواد والخوارزميات التي يعمل بها. فستكون لديك القدرة التامة على التنبؤ بكل الأرقام العشوائية التي سيولدها.

البعض يُحاول استخدام عوامل خارجية أخرى. نعتبرها نحن في حيز العشوائية، مثل التقاط الضوضاء noise من الميكروفون مثلًا. والقيام بعملية حسابية على تلك الإشارة. لكن ها هنا أيضًا لم يختر الكمبيوتر أي شيء بنفسه. فلو جئت باثنين منهما، وأدخلت لهما نفس الإشارة كلاهما سيُخرج لك نفس الرقم “العشوائي”.

لكن ماذا عن مساعي الذكاء الاصطناعي؟ ألا يتعلم الكمبيوتر أشياء لم نضعها فيه؟  الإجابة لا، وإنما تعلَّم وفقًا لما برمجته عليه. بالإضافة إلى المدخلات التي أدخلتها إليه، فلو أتيت بنفس البرنامج مرتين، بنفس الـ initial conditions كما سبق أن قولنا، وأدخلت فيهما نفس المدخلات بالضبط دون أي خلل أو أثر فراشةٍ ما، فستقطع بأن النتيجة بينهما ستكون متطابقة لا محالة. لا سبيل لك كإنسان بأن تصنع آلة لها إرادة حرة على الحقيقة مهما فعلت.

أما ما ندعيه نحن فهو أن الإنسان بخلاف ذلك. لو قولنا مجازًا بأنك فكَّكت الإنسان إلى الـ Blueprint الخاصة به، وبمعرفة كل المؤثرات الخارجية جميعها بدقة متناهية.. بداية من التربية والإعلام والملصقات التي يراها في الشارع، وحتى المدخلات غير المادية مثل وسوسة الشيطان له. فسيتبقى لديك عدم قدرة على الجزم فيما سيختاره ذلك الشخص بالتحديد.

كيف تعمل تلك الآلة المُسماه بالإنسان؟

الإجابة هي أننا لا نعلم الآلية، ولن نعلمها أبدًا في الدنيا – وربما في الآخرة –. جعل الله هنالك أسباب للهداية وأسباب للطغيان. لكن في النهاية الإنسان مسئول عن أفعاله. نعم يُمكن أن تُصمم تجارب نفسية تخدع المشاركين حتى يختاروا اختيارات ما غير عقلانية. يُمكنك أن تضعهم في موقفٍ يتأثرون بتقليد الأغلبية. لكن يظل الإنسان قد اختار الانسياق وراء تلك المؤثرات، ولم يُجاهد نفسه بعكسها.

ونعم نقر بأن تلك المؤثرات يُمكن أن تتكالب على الإنسان بحيث تصبح إرادته الشخصية هامشية. فأنت إن وُجِّه إلى كل عائلتك مسدسًا مقابل أن تشرب كوب خمرٍ، فقد تكالبت عليك المؤثرات. لكنك قد اخترت إنفاذ فِعل الشرب هذا. وكان يُتصور ألا تفعل وتقوم بفعلٍ آخر، هنا الشريعة تعفيك من العقوبة، لكنها لا تُنكر اختيارك لإنفاذ هذا الفعل.

أنت تولد بغرائز ورغبات، ثم تنشيء في مجتمعٍ فتكتسب رغباتٍ أخرى وكل هذا خارجٌ عنك. لكن إنفاذك لتلك الرغبات هي ما ستُحاسب عليه، يُمكن للمجتمع أن يخدعك بحيلٍ نفسية كما شاء. ويُمكن للشيطان أن ينزغك كما خدع أبليس آدم بأن يأكل من الشجرة، وقاسمهما إني لكما من الناصحين. فظن آدمُ أنه لا يُقسم أحدٌ بالله كاذبًا، فخُدع وزل، ثم تاب فتاب الله عليه.

كم المتغيرات المؤثرة والمعقدة والمتراكمة مهولٌ. والنسبة بينها وبين إرادة الإنسان في الفعل هو أمرٌ لا يعلمه إلا الله. ولهذا لا نستطيع أن نُجزم لفردٍ بعينه بالجنة أو بالنار.

أحمد عبد الناصر كاتب