تصور الألوهية في فكر بلاد ما بين النهرين

تصور الألوهية في فكر بلاد ما بين النهرين
ترتكز العقيدة الدينية في بلاد ما بين النهرين حول مشكلة الحياة وليس الفناء والخلود، فالحياة هي اللغز والشغل الشاغل لهذه الحضارة، فإذا حكمت الآلهة على الإنسان بالفناء، فإن أهم مهمة له أن يكتشف سر الحياة أو أن يعيش ويُسخر ما في عالمه من موارد لتحقيق منافعه، ولعل قصيدة الخلق هي القصيدة التي بقيت لنا لكي تروي قصة هذه الحضارة، وخلاصة هذه القصيدة هي أن قبل أن يكون للسماء أسم وقبل أن يكون للأرض أسم كانت الأشياء كلها مختلطة بالماء، ومن ثم فإن الأصل المادي لهذا الكون إنما هو الماء، وهذا ما نلاحظه في فِكر طاليس في قوله بأن أصل كل شيء الماء، فلعله قد استمد فلسفته الطبيعية من حضارة بلاد الرافدين.

وبالانتقال إلى الحضارة السومرية نجد أن الفكر الديني لأهلها كان مشوشاً أو يتصف بالتغير والتقلب من من حين لآخر وذلك للمواجهة التي اضطروا إليها، والصعوبات التي حالت بينهم وبين التكيف مع البيئة الأرضية والجوية والنهرية المتغيرة، الأمر الذي أدى لعدم القدرة على توحيد الفكر الديني بل انطلقوا من مجموعة من الأفكار الدينية المترابطة تارة، وغير المتكاملة تارة أخرى.

ومن الجدير بالذكر أن الحضارة السومرية قد سيطرت على الشرق وبلغت ما لم تبلغه الحضارة المصرية في عز مجدها في نهاية القرة ال16 ق.م كما نجد أن أدب بلاد ما وراء النهرين قد مهد لأدب المصريين، وبخصوص الدين، فقد لاحظت الحكومة أن له أهمية كبيرة لتثبيت الكيان السياسي، وأن اللجوء إليه سوف يكون له الفضل في توطيد دعائم البلاد، ولما زادت أهمية الآلهة، زاد بحكم العادة عدد الآلهة، فقد أصبح لكل مدينة وكل ولاية ديانة خاصة بها وإله تعبده، وكانت عبادة الشمس منتشرة آنذاك.

ورغم تعدد الآلهة إلا أن هناك بعض الآلهة قد كانت أقوى في النفوس من غيرها، وهذا ما نجده أيضاً في الحضارة المصرية، حيث كان الآله “رع” أهم إله لدى المصريين، وبالمقابل نجد الإله “ماردوخ” كان من الآلهة المقدسة لدى السومريين، والآلهة “عشتر” فقد تم تشييد معبد كبير لعبادتها، وكانت هناك بعض الألواح التي توضح كيفية أداء العبادة والقرابين، فكانت الآلهة في بادئ الأمر تنجذب نحو لحم الآدميين كقربان، وبسمو أخلاق وعقل أهل هذه البلاد، زاد الاقتناع بتقديم لحم الحيون بدلاً من الإنسان.

وكانت السماء تحتل مكانة كبيرة في بلاد الرافدين، فمنها تنمو النباتات وترتقي الزراعة ويتغذى الناس، ولذلك أصبحت فيما بعد محل للعبادة، وكان يُطلق عليها “آن” وبمقارنة آلهة مصر وبلاد الرافدين، نجد أن الآلهة في مصر قد احتلت شعبية أكبر من مثيلتها، ولقد استبعد السومريون قضية الشر وذلك لعدم قدراتهم على استيعاب أن يكون الإله كاملاً، وعوضاً عن ذلك كان الاهتمام منصب على فهم ماهية الإنسان في الكون، والكيفية التي بدأت بها الحضارات، وتطوير الثقافة، ولقد قاسوا التنظيم الإنساني بالتنظيم الإلهي، فما هو متعارف عليه بين البشر هو ذاته بين الآلهة سواء في الأكل والشرب والحق والصدق والمعارك مع اختلافات كبيرة، وكان هدفهم من ذلك التقريب لإدراك ماهية الآلهة.

وبخصوص الخلود والفناء، فإن الخلود للآلهة، والفناء للبشر، فعلى الإنسان خدمة الآلهة وتنفيذ آوامرها دون أية معارضة، وعن وظيفة الآلهة، فكانت مُتمثلة في تنظيم الكون وحفظ النظام والتوزان بين مختلف العناصر، والمُلاحظ أن الإنسان السوميري كاد يصل إلى الوحدانية المُطلقة لولا بعض الأفكار والتيارات المنحرفة التي أفسدت عليهم الأمر.

وعن فكرة الثواب والعقاب، فقد ذهبوا إلى القول بأن هناك عالم آخر، وهو الوجود السفلي الذي تغيب فيه الشمس لتُكمل رحلتها خلال الليل، وأن المتوفي تصعد جسده ويحل بديلاً عنه، مما دعاهم إلى القول بفكرة التناسخ وإن لم يصرحوا بذلك أو يدركوه، وهذه الفكرة شائعة ويقوم عليها الفكر الديني الهندي حتى الآن، ولقد آمنوا بخلود النفس في العالم الآخر، وبأن هناك مُحاسبة على الأفعال الدنيوية بواسطة إله الشمس.

أما عن فكرة الجنة والنار، فلم تكن قد تشكلت بعد في وجدان السومريين، ويتضح ذلك في الغرض من أداء العبادات وتقديم القرابين، فلم يكن الهدف هو الطمع في حياة ما بعد الموت، بل طمعاً في الحياة الدنيوية المادية والنعم والملذات.

ومن المدهش أن نجد في هذا الفكر العظيم أسطورة أن الآلهة قد خلقت الإنسان سعيداً مُنعماً، ولكن بسبب آثم ارتكبه بإرادته الحرة، قد أرسل الإله الطوفان لمعاقبتهم على الشرور التي اقترفوها، ولم ينج من هذه المحنة سوى رجل واحد يُدعى “تجتوج” وأن هذا الرجل قد خسر الدنيا والآخرة وذلك لأنه أكل من الشجرة المحرمة، وهنا يبدو التشابه واضحاً بين هذه الأسطورة وبين قصة النبي آدم (عليه السلام)

وعن تصور الألوهية في فكر بلاد “بابل وآشور” فقد كان الدين يحظى باهتمام كبير في هذه الحضارة، وكان الكهنة من يسيطرون على كافة شئون الحياة، ويستحوذون على الثروة والمكانة والنفوذ، ونلاحظ أن معظم البابليين كانوا من التجار والزراع، ولقد كان الدين بالنسبة لهم أفضل وأقدس من الحروب والمعارك، وعلى النقيض نجد أن الآشوريين مُقبلين على الحرب مُحبين لها منذ بدايتهم وحتى نهايتهم، والمستطلع لسجل تاريجهم، فسوف يجده حافل بالمعارك والغزوات، أما عن ثقافتهم الخاصة، فقد استمدوا أُسسها من البابليين، أما عما يميزهم فهو البناء والعمارة.

تصور الألوهية في فكر بلاد ما بين النهرين

ونستطيع أن نستنبط أن آلهة بابل هي نسخة من آلهة سومر، فلقد كانت الحضارة البابلية الوريث لحضارة السومريين، وهذه الوراثة لم تكن فقط في الجانب الديني وإنما في كافة مناحي الحياة، ولقد كانت آلهة البابليين مُتمثلة في العناصر والقوى الطبيعية مثلهم مثل المصريين، ولقد تجاوز عدد الآلهة في بابل الخمسة وستين ألف إله، فالفرد بإمكانه عبادة أكثر من إله، حيث إلهه الخاص من ناحية، والآلهة الكبرى من ناحية أخرى.

ويُذكر أن الحضارة البابلية كانت مادية بحتة وخصوصاً بعد ظهور المملكة الكلدانية، وبخصوص العلم والدين، فقد كان هناك خلط كبير، حيث كان الاعتقاد الشائع بأن المرض يحدث إذا ما غضبت الآلهة، ومن ثم يكون العلاج في فعل ما يُرضي الآلهة.

وبعيداً عن فكرة الألوهية، فقد برع البابليون في توضيح نسق الكون بأشكال أكثر مرونة من نظيراتها من الحضارات الأخرى، فلم يخجل المصريون من اللجوء للأشكال التي وضعها أهل بابل للدلالة على الكون، فقد اتسموا بالبراعة والدقة والقدرة الكونية الهائلة، كما نجد أن المنطق المُتعارف عليه كان قائماً على الربط بين الحادثة والظاهرة، وينطبق هذا الأمر على السحر أيضاً، ولقد اكتفوا بهذا الحد دون وجود رغبة في فهم العلل الخفية وسر الروابط والتعاقب، وقد يعزو ذلك لإدراكهم بأن مثل هذه الأمور تفوق قدراتهم العقلية أو لعدم القدرة على الفهم.

ولا ننسى في ذلك القوانين البابلية التي وضعها “حامورابي” التي تتلخص في العادات الشعائرية، فقد أسس نظاماً يسري على كافة الأطياف والفئات المختلفة من زراع وتجار، وقد جاء ذلك تمهيداً لقيام عهد الأخلاق الذي قام مقام مذهب المنفعة.

محمد شريف كاتب

‏‏‏‏‏‏‏قد أُعدم مثل سقراط أو أُصلب كالحلاج. من يدري! أنا مزيج من التصوف والعدم.