عن الثانوية العامة وأشياء آخرى

عن الثانوية العامة وأشياء آخرى

دائماً ما نعطي الأمور أكبر من حجمها ثم ندرك ما فعلنا بأنفسنا بعد فوات الآوان. من أهم الأمثلة التي تعبر عن هذه الفكرة تعاملنا مع الثانوية العامة وما يحدث هذه الأيام، وما يشعر به الممتحنون من ضيق وضياع محقق لمستقبلهم بعد الخروج من كل اختبار.

أتذكر ما كنت أفعله شخصياً قبل وبعد كل إمتحان، الكثير من التوتر وحرق الأعصاب والتفكير في الغد وفي مصيري المظلم بسبب أدائي لأجد أحد الزملاء بعد كل اختبار يخرج بمنتهى السلام النفسي من نفس اللجنة مشعلاً سيجارة ليتحدث بعدها مع أحد رفاقه لتخطيط ما عليهم فعله باقي اليوم. والظريف أنه لم يكن يستذكر جيداً أو يجيب عن معظم الأسئلة. ولكنه أبداً لم يبالي، ولم يتأخر عني أو عن الباقين باختلاف مستوى تحصيلنا. في النهاية تخرجنا جميعاً من نفس المكان بنفس المؤهل، وأصبحنا متساوين في عين المجتمع وفي سوق العمل.

أفكر في الأمر الآن وأفكر في الوقت الذي أهدرته في القلق والتوتر والمبالغة التي لم تقدم لي سوى إضاعة المزيد من الوقت.

أتذكر شقيقتي وقلقنا عليها من نفس المصير والتوتر الذي عايشه كل بيت أثناء هذه الفترة، حتى ظهرت النتيجة واختارت كلية لا تليق بها كما رأى المحيطين بنا، ولم يعلق أحد سوى على أنها تساوت مع من لم يبذل نفس الجهد وربما يفوقونها مكانة بسبب سوء أختيارها من وجهة نظرهم.

نتوتر عندما يطالبنا الآخرون بالكف عن التوتر، عندما نكون مطالبين بتقديم شيء ما في موعد ما، عندما نخطط لحياتنا أو يومنا على الأقل ولا يسير كل شيء وفقاً للخطة المحددة.

المشكلة أنني بعد مرور الوقت وبعد انتهاء المواعيد وإنجازي لما كان علي فعله أياً كان، اكتشف إهداري لما هو أكثر من الوقت. فبدلاً من استمتاعي بالخروج إلى أحد الأماكن، أجدني أفكر في المهمة التالية، وفي الوقت التالي، وفيما علي التحضير له لاحقاً أياً كان ما أفعله. فلا تهم الأولوية ولا يهم ما أفعله في اللحظة الحالية، فلا ينتهي الموقف بإضاعتي لوقتي وأعصابي وصحتي التي بالطبع ستتأثر بما أفعله وبطريقة تفكيري وتنفيذي للأشياء، إنما وجدت أنني أضيع حياتي بأكملها من أجل اللا شيء.

بالطبع لا أتحدث عن طموح الشباب أو أحلامنا التي نسعى لتحقيقها وأصفها باللا شيء، ولكن أتحدث عن تصوراتنا المختلفة والتي نفرضها على بعضنا البعض. فتجد من يخبرك بأن كلية الطب أفضل من اختيارك الآخر، وتجد من يخبرك بأن الفتاة التي اخترتها ليست مناسبة بقدر الفتاة التي رشحها هو لك، وتجد من يخبرك بأن مجموعك في الثانوية العامة لا يدل على شخصية مسؤولة أو ذكية أو متفانية، وعلى هذا المنوال نظل نحاول أن نحقق بعض من أحلامنا إلى جانب تحقيق ولو جزء مما يراه الآخرون وفقاً لمقاييسهم التي لا تناسبنا على الإطلاق.

في النهاية سيمر هذا الوقت وسندرك أننا بالغنا في الكثير من المواقف والأفعال ولكن المهم أن نفعل ما علينا فعله بصدق وأن لا ندرك أننا كنا نبالغ بعد فوات الآوان.

سارة الشافعي Freelancer

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.