البُلهاء.. إيلون ماسك وآينشتاين!

  • 1
  • 1٬696
البُلهاء.. إيلون ماسك وآينشتاين!

صديقي العزيز، ها قد عدت لكم في مقال آخر عن صديقي العزيزين منذ سنوات كثيرة، وما زلت أسير على دربهما، ولم أفارق هذا الدرب أبداً.. أصدقائي القراء دعوني اسألكم سؤال واحداً من بعد إذنكم، ماذا لو لم يكن هناك آينشتاين؟.. أصدقائي خذوا وقتكم في التأمل وأعطوني إجابة واضحة وصريحة… في هذا المقال سأجيب عن هذا السؤال، واسمحوا لي أن اسألكم سؤالاً أخر من بعد إذنكم، ماذا لو كان هناك آينشتاين ولم يكن هناك إيلون ماسك؟

دعوني الآن أن ابدأ في التنقل بين هذين العقلين، ونرى ماذا لو لم يكن هناك البرت وإيلون..

العبقرية اجتهاد وليست اكتساب

عندما تذهب للمدرسة في صغرك، تبدأ معها سنين وسنين من التلقين والحفظ، إذا كنت مجتهداً في الحفظ وتحصل على أعلى الدرجات، يتم تكريمك على المنصة في نهاية الفصل الدراسي، بحضور والديك الكريمين، وهما فخورين جداً بك، ثم صورة على الفيس بوك ومباركات من هنا وهناك… إنه الإنجاز بحد ذاته يا أخي، وعلى النقيض تماماً، إذا كنت لا تستطيع الحفظ وليس لديك القدرة على ذلك، فإن كل شتائم الكوكب تنهال عليك.. كم أنت غبي يا أخي؟

وهناك فئة صغيرة وتكاد تكون معدومة، وتعتبر حالة شاذة، وفي الأغلب تسمى فئة البلهاء، إنها الفئة التي تُعرف ببساطة بأنها الفئة التي لا دم يجري في عروقها ولا إحساس لديها.. إنها الفئة غير المبالية بأي شيء، ويرون أن المدرسة والجامعة ونظام التعليم بأسره هو مضيعة للوقت والجهد، وفي الأغلب هم الفئة الأكثر رفعاً للضغط لأولياء الأمور، والأكثر تلقياً للشتائم في الكوكب بأسره، وما يميز هذه الفئة أنهم يبدأون بتعلم مهارات يرغبون بها، ويقرأون الكتب بكافة أنواعها.. ولكن هم أنطوائيين جداً ومنعزلين عن العالم تماماً، ويشكلون عالمهم الخاص.

الفئة الأولى، وهي فئة كبار القوم (المتعلمين) يتخرجون من المدرسة، ثم تبدأ المرحلة الأقوى والأصعب لهم.. الحياة الجامعية واختيار التخصص المفروض عليهم منذ الصغر، طبيب أو مهندس.. وووو… وأخيراً ابني أصبح طبيباً.. ابني أصبح مهندساً، وتبريكات من كل صوب على الفيس بوك.

الفئة التانية، هي فئة صغار القوم أو المداس عليهم حرفياً، إذا كان محظوظاً وهذا نادر، فأنه يدرس تخصص جامعي أدبي أو علمي، وفي الوطن العربي لا أهمية للعلوم أو الأدب، ثم يعملون في أحد المصانع هنا أو هناك، أو يصبحون تجاراً في الأسواق.. وإذا جاء أحد كبار القوم يعاملهم كأنهم حثالة المجتمع، والخدم الذين يخدموننا.

الفئة الثالثة، هي فئة البلهاء الذين لا يعيرون اهتماماً لأي أحد، ولا يعيرون اهتماماً لأي شيء في الحياة، ولا يهمهم إلا أن ينجزوا ما خططوه لمستقبلهم، البلهاء أغلبهم لا يدخلون الجامعة أساساً، ومن يدخل الجامعة بناءاً على رغبة والديه، أغلبهم يتركها بعد سنة أو سنتين.. والبعض الآخر يكملها لكن مع مواد رسوب كثيرة، ولكن ولكن ولكن البلهاء هم من يستمتعون في حياتهم وكل واحد منهم يذهب لعمل شركة ما، وتحقيق هدف ما، والفئة الأولى والفئة التانية يعملون عندهم في نهاية المطاف.

البلهاء هم الفئة الأكثر تأثيراً، لأنهم هم الوحيدون الذين استمتعوا في حياتهم وصنعوا ما يحبون وفعلوا ما يريدون، لكل منهم هدف واضح في الحياة، وفي النهاية هم من يذكر أسمائهم في التاريخ الإنساني.. ومن هؤلاء البلهاء آلبرت اينشتاين وإيلون ماسك.

عبقرية البرت

آلبرت آينشتاين، اسم لا يختلف عليه اثنان، عبقري الأزمان وعازف الكمان، وقاهر هتلر والألمان، وصاحب أشهر معادلة في تاريخ العلم، وصاحب الإنجازات العظيمة وووو.. وغيرها من الألقاب العظيمة التي تنسب للرجل العبقري.

لكن عزيزي القارئ، هل هذه العبقرية مكتسبة في جيناته؟ لا ليس مكتسبة أبداً، بل هي نتيجة اجتهاد شخصي من البرت منذ نعومة أظافره، ولكن كيف؟

آينشتاين هو من فئة البلهاء، غير المبالي بأي شيء.. لذلك كان شديد التركيز في الفيزياء والرياضيات، وللعلم لم يكن ماهراً أبداً في الرياضيات، لكن كان بارعاً في الفيزياء، أو بالأحرى في الخيال.. كان كل ما يجول في عقله هو كيف سأصنع تأثيراً يسمع صداه في كل أرجاء الكوكب الأزرق؟ ولكن ماذا أحب أنا؟ نعم إنها الفيزياء، أنا أعشق الفيزياء.. لذلك سأصنع هذا التأثير عن طريقها ولن أشعر بالملل لأني أحب الفيزياء من الأصل وهذا هدفي في الحياة.

في الأعوام تلك كانت الفيزياء قد انتهت على حد تعبير العلماء آنذاك، لكن آينشتاين رفض ذلك، وبدأ بالبحث في معضلات لم تحل منذ زمن، لذلك بدأ في نسبية جاليلو وأكمل عليها بتخيلاته العبقرية، وأخرج للعالم النسبية الخاصة، وبحث أيضاً واعمل على السؤال الذي وجه للسير إسحاق نيوتن، ولم يستطع الإجابة عليه، وأخرج للعالم النسبية العامة.

إذاً كل هذه الإنجازت كان اجتهاد شخصي ولم تنزل تلك المعادلات والأفكار عليه من السماء، حتى أشهر معادلة في التاريخ وفكرة القنبلة النووية، وفكرة الثقب الأسود، وفكرة ضوء الليزر، كلها اجتهادات شخصية، تبعها إثبات في معادلات في عدة أوراق علمية.. أنارت للبشرية طريق لم يكن مكتشفاً بعد، في زمن كان يعتقد أن العلم انتهى عند هذا الحد.

كيف استطاع هذا الشاب المجنون، من أن يحدث فرقاً خلال  حياته التي امتدت لـ 75 عاماً، كيف فعل ذلك؟ إنه الاجتهاد والاجتهاد والاجتهاد فيما يحب، وليس فيما ما فرض عليه من المجتمع.

وعن تأثير آينشتاين لا تحدثني، ففي ذهن أي شخص منا، عندما نسمع كلمة عبقري، مباشرة العقل اللاواعي داخل كل رأس فينا، يظهر لنا صورة اينشتاين، يكفي ذلك وحسب! وأنت عزيزي القارئ تخيل لوحدك ما مدى تأثير هذا المجنون.

عبقرية إيلون

إيلون ماسك.. ذلك الرجل الذي يثير الكثير أزمات في الفترة الأخيرة، صراع هنا وهنا، افتتاح مصنع جديد في بلد ما، إطلاق صاروخ جديد، إطلاق مركبة فضاء جديدة، إطلاق موديل جديد من سيارات تسلا، إنجاز هنا وإنجاز هناك، شريحة في دماغ خنزير وأخرى في دماغ قرد، ما يفعله هذا المجنون في السنوات الأخيرة جعله يحتل عقول الصغير قبل الكبير، وجعل من شخصيته، شخصية استثنائية تأثر على الكوكب بأسره، فبتغريدة واحدة من هذا الرجل المجنون يستطيع تغيير شيء ما على سطح الكوكب الأزرق.

إذا كان آينشتاين أبلهاً، فإن إيلون ماسك هو البلاهة نفسها، إيلون هو جنوب أفريقي بالأصل، عرف منذ الصغر أن المجتمع الأفريقي لن ينفعه بشيء، وإذا أراد أن يحدث تأثيراً فلن يجدي نفعاً هنا في بلاده هذه، لأن المجتمع غير مهتم بأي إنجاز غير أن تكون كالروبوت تنفذ الأوامر فقط.. لذلك قرر الهروب وبدأ الحياة في كندا، ولكن هناك لم يجد ما توقعه، ولذلك ذهب لأرض الفرص أمريكا، وبدأت حكايته هناك، ولكن لم تبدأ حكايته لأنه في أرض الأحلام أمريكا، الفكرة ليست في الأرض لأنه واجه انتقادات شديدة، من الأشخاص المؤثرين هناك، فكيف فعلها هذا الرجل؟

بفم لا يستطيع تجميع أربع كلمات وتكوينها في جملة مفيدة، كان يصعد إيلون أمام العالم، عند إطلاقه شركة جديدة أو منتج جديد، ويبدأ حديثه بـ أم.. أم.. أم.. أم، إيلون لا يستطيع الكلام بشكل سليم، لكن إنجازاته وإبداعه غطت على كل العيوب الموجودة عنده.

عزيزي القارئ ستقول لي، إنه موهوب بالفطرة، وأنا سأقول لك عزيزي أنه عندما رفض الروس بيعه صاروخ من مخلفات الحرب العالمية، كان إيلون قد اجتهد بنفسه وقرأ لمدة 6 شهور كل الكتب عن الصواريخ وكيفية صناعتها، وقام هو وفريقه بصناعة أول صاروخ وتجريبه عام 2006، وكان الفشل الذريع حليفهم، ثم أعاد الكرة مرة أخرى أكثر من مرة، حتى فشل تماماً، وبدأ الاستهزاء به من جنونه، كيف لرجل أبله أن ينافس وكالة ناسا؟ وفي مقابلة تلفزونية، وكانت عيون إيلون تلمع من الدمع، وكان يقول أنا محبط جداً، من أولئك الناس الذين اعتبرهم قدوة لي أمثال نيل أرمسترونج، يقللون من شأني.

وفي عام 2008، وصل به الحال لأن يعلن إفلاسه فلم يتبقى معه مال إلا لمحاولة واحدة فقط، ففي ذهن أي أحد منا، سيأخد ذلك المال، ويعلن الاستسلام وينشأ مصلحة تجارية ويعيش بها باقي العمر، وهكذا تنتهي الحكاية، لكن إيلون جرب التجربة الأخيرة، ولحسن الحظ نجحت، فأصبح أول رجل في التاريخ ينشأ شركة خاصة لصناعة صواريخ الفضاء، وتنجح الشركة الخاصة به بإطلاق صاروخ بنجاح.

إذا أردت أن أتحدث عن إنجازت إيلون لن يكفيني مقال أو مقالين، لأنه كل يوم هناك جديد لذا هذا الرجل الذي وصل لعمر 49 وقد أنجز ما لا يستطيع ربع سكان الكوكب إنجازه في 500 عام.

أما عن تأثير إيلون ماسك، فتجده في مجال البيئة موجود، في مجال الطاقة موجود، في مجال الفضاء موجود، في مجال حفر الأنفاق موجود، في مجال السيارات موجود، في مجال الذكاء الاصطناعي موجود، ستجده في كل مكان تقريباً، وتأثيره يشمل كثير من الناس، حاله كحال اينشتاين، الرجل يقول بنفسه أنا اقرأ كثيراً في كل شيء، لا ترى عيناي كتاباً إلا وقرأته، وأنا أجتهد وأعمل بجد واختار موظفين أذكى مني حتى أتعلم منهم، فهل ما زلت مصدقاً أن العبقرية اكتساب؟

يتخد إيلون موقع تويتر كوسيلة التواصل الوحيدة مع محبيه ومعجبيه، تأثير إيلون وصل لحد أنه يكفي أن يضع يداه المشغولتان في العمل على لوحة المفاتيح الافتراضية على هاتفه الذكي، ويكتب اسم شركة أو اسم منتج، أو كلمة بعض من حروفها عند تجميعهم مع بعض يكون اسم شركة موجودة على أرض الواقع، وسترى أسهم الشركة أرتفعت في السماء، أو أن المنتج الطلبات أزدادت عليه بشكل جنوني، ولنا في حادثة تطبيق سيجنال، والبتكوين مثال.

دعى إيلون متابعيه، بحذف الواتس أب، وتنزيل تطبيق سيجنال، فذهب الآلاف إلى التطبيق، وبناءاً على ذلك تراجعت فيس بوك عن التحديث، وعملة البيتكوين، ازدادت لرقم جنوني بسبب إيلون أيضاً، فتخيل معي التأثير والكاريزما التي يمتلكها إيلون.

القطة المقلدة

رجل الأعمال جيف بيزوس، صاحب عملاق التجارة الالكترونية أمازون، معروف بخلافه الشديد مع إيلون، حتى أنه في أحد التغريدات، قال إيلون عنه أنه قطة مقلدة، ومعنى ذلك جيف بيزوس يريد أن يكون مؤثراً كحال إيلون ماسك واينشتاين، فاختار تقليد إيلون، انشأ شركة خاصة بصواريخ الفضاء، واشترى شركة خاصة لصناعة السيارات الكهربائية، وانشأ مشروع شبيه بمشروع ستارلينك المملوك لإيلون ماسك، لتوزيع الانترنت من الفضاء على الكوكب بأسره، وهناك خلاف لم يحسم بعد على أحقية من يمتلك المدار الذي ستدور فيه الأقمار الصناعية، لإيلون أم جيف؟

هذا الخلاف مهما كان من سينتصر فيه، سيعود بالفائدة على البشرية، لذلك أدعو هذا الصراع بين الرجلين، حرب النجوم.. تلك الحرب التي أميل شخصياً فيها لإيلون لأنه قادر على ابتكار أفكار جديدة كل يوم، وأغلب تلك الأفكار مجنونة، ولكن تحدثت عن هذا الخلاف لأبين لك عزيزي القارئ، أن المعركة في هذا العالم المتسارع هي حرب عقول، وليست حرب ألسنة كما يحدث في وطننا العربي الحبيب.

عزيزي القارئ سأخبرك بشيء أنت على حق فيه قبل أن أنهي المقال، الشيء المكتسب بين إيلون واينشتاين، والذي هو متغلغل في جيناتهم.. هو عدم الاستسلام والقتال على الأحلام وبذلك أصبحوا بلهاء!

حسني حاتم أبوشباك فيزيائي

فيزيائي ومبرمج، مهتم بالعلوم والأدب، والبرمجة.