كيف ستبدو الوظائف بعد كورونا؟

  • 0
  • 960
كيف ستبدو الوظائف بعد كورونا؟

توجهات سوق العمل وما يعنيه ذلك لمستقبلك المهني

مع اقتراب إكمال أزمة كورونا عامها الأول، تتضح بشكل أكبر التغيّرات التي طرأت على شكل الوظيفة وسوق العمل.

التغيير الأكثر حضوراً وخطورة حالياً هو طبعاً موجة البطالة الكبرى التي تجتاح الكوكب من شرقه إلى غربه. هنالك الآن ملايين العاطلين عن العمل يبحثون عن وظيفة في هذه اللحظة تماماً في كل بلد من العالم بعدما فقدوا وظائفهم أو أقفلت أعمالهم، لكن الوظيفة التقليدية التي يبحث عنها هؤلاء لم تعد اليوم موجودة.

هنالك تغييرات عميقة طرأت على شكل ومضمون الوظيفة، أخرجتها أزمة كورونا إلى العلن بعد أن كانت محصورة في هوامش عالم الأعمال. ما هي هذه التغيرات وكيف يمكن أن تؤثر على مستقبلك المهني وبحثك عن عمل؟

هذا ما نريد أن نناقشه هنا.

* * *

النهاية المؤلمة للعمل في المكاتب

خلال السنوات الماضية أصبحت المكاتب بيئة العمل الأوسع انتشاراً على الكوكب، رغم أن هذه البيئة لها آثار مدمّرة صحياً ونفسياً وانتاجياً على الإنسان.

في كتابنا عن الوظيفة – أدون في العمل: يوميات وتأملات موظف غير مناسب للوظيفة – أوردنا العديد من الأبحاث التي تتحدّث عن الآثار السلبية لبيئة المكاتب ومنها الزيادة الهائلة لاحتمال الموت المبكر والإصابة بالأمراض المزمنة لمن يعمل فيها. رغم أن الآثار الصحية السلبية للمكاتب موثقة علمياً ومعروفة منذ عقود، إلا أن الشركات والأعمال كانت تتمسّك بها كأنه لا يمكن أن يكون هنالك طريقة أخرى للعمل، حتى وصل كورونا.

مع تخلّي الشركات عن الالتزام بالدوام المكتبي رغماً عنها بسبب الوباء، فتحت كوّر في جدار بيئة العمل تمهّد الطريق لتقبّل فكرة العمل عن بعد.

العمل عن بُعد لا يزال في بداياته لكنه سيصبح من دون شك إلى إحدى الأشكال المقبولة للوظائف خلال السنوات القادمة، ما ما يعنيه ذلك من تغيرات ستطال أيضاً مفهوم دوام العمل.

هذا التحوّل لن يكون سهلاً لأن الشركات والموظفين التقليديين الذين لم يتكيفوا بعد – أو يتقبلوا – فكرة العمل عن بعد، سيعيشون صراعات كثيرة قبل الوصول إلى الصيغة التي تناسبهم.

نهاية المكاتب لن تكون بالسهولة التي يتخيّلها البعض لأن المكتب والدوام الثابت هي بمثابة مقدّسات العمل المعاصر والبعض لا يستطيع أن يتخيّل الوظائف من دونها.

العمل عن بعد هو في الواقع جزء صغير من تحوّل أكبر يطال اقتصاد الوظائف بأكمله.

كيف ستبدو الوظائف بعد كورونا؟
* * *

التحوًل نحو اقتصاد العمل الحرّ بدل اقتصاد الوظائف الدائمة

يتحدّث الاقتصاديون منذ سنوات عن التحوّل باتجاه اقتصاد العمل الحرّ (Gig economy) – حيث أن الإنتاج الرئيسي في الاقتصاد تقوم به شبكات واسعة من المتعاقدين والعمّال المؤقتين والفريلانسر، بدلاً من الموظفين بدوامات كاملة في الشركات.

في هذا الاقتصاد، بدلاً من أن تقوم الشركة بتوظيف 50 شخص لإطلاق منتج جديد مثلاً، قد تقوم بتوظيف 5 أشخاص فقط ثم تتعاقد مع شركة ثانوية للتصنيع، ومع سائقين يعملون بأجرة يومية للتوزيع، ومع مسوّقين وصنّاع محتوى فريلانسر لكتابة موقعها وتنفيذ حملتها الإعلانية.

لماذا تتحوّل الشركات إلى هذا النموذج؟ لأنها طريقة لزيادة الأرباح عبر توفير الكلفة وتخفيض المخاطر.

التقاعد مع شركة ثانوية للتصنيع يوفر كلفة شراء وصيانة الآلات والمخازن والعمّال الضروريين لها وما شابه. التعاقد مع سائقين بأجرة يومية وخبير تسويق مؤقت يوفر الرواتب خلال فترات انخفاض الطلب على المنتج وعند نهاية حملة التسويق.

التوفير لا يقتصر على الرواتب. الموظّفون الدائمون يرتّبون كلفة إضافية على الشركات: التأمين الصحي وكلفة أيام العطلة والفرصة المرضية والإضافات والمكافآت وبدلات التنقل وإيجار المكاتب وثمن التجهيزات الالكترونية..ألخ. فضلاً عن الحاجة لموظفين إضافيين لإدارة الموظفين الآخرين مثل قسم الموارد البشرية والإدارة الوسطى. 

التطوّر الرقمي والصعوبات الاقتصادية المتزايدة اجتمعتا لتجعلا من إمكانية العثور على مصمّم مستعدّ ليقوم بأي عمل بأقل مبلغ ممكن، أمراً أسهل من أي وقت مضى.

هذا التحوّل ليس بالحدّة نفسها في كافة القطاعات حيث أن أكثرها تأثراً به هي المرتبطة بالاقتصاد الرقمي لكننا نراها أيضاً تمتد تدريجياً إلى القطاعات الأكثر تخصصاً مثل التعليم والطب والهندسة.

ما الذي يعنيه ذلك؟

يعني أن الحصول على وظيفة تقليدية دائمة مع عطلة مدفوعة وتأمين صحي وإضافات وترقيات أصبح أمراً أصعب بكثير من قبل.

هذا يعني أن معظمنا سينخرطون في وقت أو بآخر باقتصاد الأعمال الحرّة، إمّا لتغطية فترات البحث عن عمل أو لبناء خبرة للخريجين حديثاً لمساعدتهم على إيجاد وظيفة لاحقاً. رغم ذلك، اعتقد أنه من الأفضل تعديل توقعاتنا نوعاً ما بالنسبة للوظائف، لأن إيجاد وظيفة دائمة كان أمراً طبيعياً ومتوقعاً وممكناً، لكنه لم يعد كذلك الآن.

المحظوظون كفاية ليجدوا الوظيفة الصحيحة الملائمة لاختصاصهم وخبرتهم، سيواجهون بشكل متزايد الظواهر الأربعة الكبرى التي تحكم الوظيفة اليوم.

* * *

وظائف من دون خبراء وخبراء من دون مهنة

كان سوق العمل يتجه في الماضي نحو المزيد من التخصّص بحيث أصبح هنالك عدد كبير من الوظائف تتطلب خبراء في مسائل محددة وضيقة جداً.

في وظيفة التسويق في مهنتي السابقة، تخصصت بالمحتوى والتسويق الرقمي، وفي التسويق الرقمي كان هنالك خبراء متخصّصين بتحسين نتائج البحث العضوي فقط، وفي صفوف هؤلاء الخبراء كان هنالك متخصصين بتحسين نتائج البحث العضوي في لغة ومحرك بحث معيّن. الأمر نفسه ينطبق على البرمجة والتصميم وغيرها من الاختصاصات.

الخبراء المتخصصون للغاية كانوا ولا يزالوا مطلوبون جداً للوظائف، لكنهم يكتشفون هشاشتهم المهنية بسرعة كبيرة عند فقدانهم لوظيفتهم، إذ لا يمكنهم البحث إلا عن وظيفة مماثلة لما كانوا يقوموا به تماماً وهي بطبيعة الحال نادرة.

مع بروز اقتصاد العمل الحرّ، نرى طلباً متزايداً لأصحاب الاختصاصات المتعدّدة بدل أصحاب الاختصاص الواحد. التعاقد مع شخص واحد للقيام بأكثر من مهمة هو أقل كلفة للشركات من التعاقد مع عدّة خبراء.

من الشائع الآن أن نرى عملاً يطلب من مبرمج واحد إعداد كافة وظائف وأقسام الموقع – الواجهة والخلفية معاً – أو أن نرى عرض عمل يطلب خبيراً بكافة مجالات التسويق الالكتروني، أو مصمّم عليه أن يقوم بعمل كان مطلوباً في الماضي من فريق كامل من المصمّمين.

الشخص الذي يمتلك مهارات متعدّدة اليوم لديه حصانة أكبر تجاه هشاشة الوظائف وسيكون أكثر قدرة على التكيّف في اقتصاد الأعمال الحرّة. في اقتصاد العمل الحرّ الوظائف الدائمة تصبح خالية من الخبراء، أما الخبراء فلا مهنة لهم، لأن العمل يعتمد أكثر على التعاقد المؤقت.

ما الذي يعنيه هذا الأمر بالنسبة للمتخصّصين؟ عليك أن تبني نفسك كخبير متعدّد المهارات، لا أن تعتمد على الأمان الوظيفي.

هنالك مستوى معيّن من التخصّص يجب أن تكتسبه لأنه بمثابة العامود الفقري لما تقوم به، لكن لا يمكن الاعتماد على التخصّص الرئيسي وحده.

الخبير الأكثر قيمة في سوق العمل اليوم ليس الشخص الذي يعرف قليلاً عن كل شيء ولا الشخص الذي يعرف كثيراً عن شيء واحد، بل المحترف الذي يعرف كثيراً عن شيء واحد ويعرف قليلاً عن كل شيء أيضاً.

كيف ستبدو الوظائف بعد كورونا؟
* * *

تصاعد مبادرات الأعمال الصغيرة (micro-entrepreneurship)

مبادرات الأعمال والـ Start-ups هي من أسس الاقتصاد الحديث ويبدو أن إحدى أسباب صعودها السريع خلال السنوات الماضية هو ردّة فعل على رتابة ومحدودية الوظيفة العصرية.

في الماضي، إنشاء مبادرات أعمال كان يحتاج لرأس مال، منتج، أو فكرة، وغالبية مبادرات الأعمال كانت شركات ناشئة تطمح لتصبح أكبر مع الوقت.

اليوم يبرز نوع جديد من مبادرات الأعمال هو ما يمكن أن نسميه micro-enterpreneurship أو مبادرات الأعمال الصغيرة والفردية.

معظم هذه المبادرات تنشأ في الاقتصاد الرقمي ويمكن أن ترى النور من دون مال ومن دون منتج وحتى من دون فكرة.

العامل الحاسم في مبادرات الأعمال الصغيرة هو الخبرة، حيث أن الشخص يقدّم خبرته نفسها كمنتج في الاقتصاد الرقمي أو يخلق منتج رقمي معيّن من خلال خبرته. معظم هذه المبادرات ليس شركات ناشئة، بل تقوم وتستمرّ على شخص واحد فقط ومن هنا التسمية.

مبادرات الأعمال هذه يمكن أن تكون متنفساً ومساراً مهنياً مناسباً لعدد كبير من الناس في ظلّ ضمور الوظائف التقليدية، لكن علينا أن نكون واقعيين أيضاً تجاهها: ينطبق عليها ما ينطبق على مبادرات الأعمال العادية.

هذا يعني أن معظم هذه المبادرات ستفشل، وعدد كبير منها سيبقى صغيراً ومحدود الإمكانيات، وجزء منها سينجح ويتحوّل إلى مصدر أكثر من ممتاز للعيش.

الفارق هو أن الفشل في مبادرة أعمال رقمية لن يتسبب بإفلاسك بل العكس. الفشل يعطينا دروس قيمة للمحاولة التالية، وهنا أهمية هذا القطاع الناشىء: أبوابه دائماً مفتوحة.

* * *

ما الذي تحتاجه لتنجح مهنياً اليوم؟

لعلّه السؤال الأهم بالنسبة للمتخرّجين حديثاً الذين يفتحون أعينهم اليوم على صراع مهني مرير مع اقتصاد يبدو غير مهيأ لاستقبالهم.

الزميلة إيمان سنجر تحدّث عن أهم المهارات التي يجب أن تتعلّمها للنجاح في الوظيفة ومقالها يشكّل نقطة انطلاق ممتازة لما تتطلّبه الوظائف العصرية.

إن أردنا أن نضيف لتلك المهارات من قراءتنا الخاصة، سنقول التالي:

في الماضي، الثلاثية التقليدية للنجاح في المهنة كانت: المهارة (مزيج المعرفة والخبرة والذكاء)، العلاقات المهنية، والحظ.

هذه الثلاثية ستبقى دائماً العامود الفقري للنجاح المهني، لكن الاقتصاد الجديد يتطلبّ أيضاً مجموعة جديدة من المهارات إلى جانبها وهي:

  • القدرة على التعلّم والتكيف: المعرفة تتحرك بسرعة هائلة اليوم وما نعرفه اليوم قد يصبح قديماً غداً. القدرة على التعلّم المستمرّ والتكيّف مع الظروف المتغيرة هي من أهم المهارات التي ستكون بحوزتك.
  • الانضباط الذاتي: مع انتشار العمل عن بعد وتراجع وظائف الدوام الكامل واستبدالها بالعمل الحرّ، لا يوجد شيء أكثر أهمية من قدرتك على تنظيم نفسك بنفسك والحفاظ على انتاجيتك والانضباط في العمل من دون مدراء وزملاء إلى جانبك.
  • الحضور الرقمي: الحضور الرقمي هو الشكل العصري للعلاقات المهنية وهو بنفس أهمية السيرة الذاتية في المجالات الإبداعية. الحضور الرقمي عبر موقع أو بروفايل يستعرض خبرتك وعملك، هو مصدر مهم جداً للعلاقات المهنية والأعمال الجديدة. الواقع الرقمي هذا يطرح إشكالية تراجع قدرتنا على التعبير عن أنفسنا رقمياً وتحوّل بروفايلاتنا إلى بروفايل مهني منقح، لكن هذا هو الواقع الآن.

إيجاد معنى في العمل

العمل هو الوعاء الأساسي الذي نصبّ فيه طاقتنا وأيامنا ومعظمنا يربطون هوياتهم الشخصية وغايتهم في الحياة بعملهم ومهنتهم.

مع تصاعد رتابة الوظائف وتحوّلها إلى سلسلة من الأعمال المؤقتة المشتّتة شكلاً ومضموناً، سيكون هنالك صراع متزايد في محاولاتنا لإيجاد معنى في العمل.

رغم أن معظم التغيّرات التي تحدّثنا عنها تبدو سلبية، إلا أن الجانب الإيجابي من الاقتصاد الجديد هو أنه يوفر لنا المزيد من الوقت الشخصي الذي يمكننا التصرّف به كما نشاء.

الوقت هو أثمن ما نملك في الحياة، والكثيرون منا سيستفيدون منه ليقضوه مع عائلاتهم، ليقوموا بأشياء يحبوّها، ليتعلّموا مهارات جديدة، وليأسسوا أعمالهم الخاصة التي تتناسب مع طموحاتهم، وليجدوا معنى خارج المكاتب الرمادية الكئيبة، ومن هذه الناحية، ما نراه أزمة ومأساة كبرى قد يكون في الواقع نعمة نحتاج لاكتشافها وتقديرها.

إن أعجبكم هذا المقال وتودّون الاطلاع أكثر على واقع الوظيفة العصرية، أدعوكم لتفقّد كتابنا الذي صدر مؤخراً على أمازون على هذا الرابط .

طوني صغبيني كاتب

مجرّد مدوّن أعيش الحياة بكل ما فيها من مغامرات شيّقة، وما اكتبه هو ببساطة الأفكار والأشياء التي اكتشفها على الطريق وأشعر أنها تستحق المشاركة. أركّز على مواضيع التنمية الذاتية، البساطة في الحياة، والتواصل مع البرية لأنها من المجالات الرئيسية لإكمال عملية نموّنا لكامل إمكانياتنا.