ما بين جحيم العقل وجنّة الغباء!

ما بين جحيم العقل وجنّة الغباء!

كلنا سمعنا قصة الدبة التي قتلت صاحبها أثناء محاولتها إبعاد الذباب عن رأسه. كانت الدبة تحاول أن لا تقلقه وهو نائم فأخذت حجر كبير وألقته على رأسه ليموت، بنية صافية وحب خالص.

وفي فيلم (إبراهيم الأبيض) يقول صديق البطل:

“إبراهيم ميخافش غير من الغشيم. الغشيم يعني ياهيموتك يا هيزنقك تقتله” وهي جملة مساوية لنفس المثل بالأعلى.

في القصة الأولى قتلت الدبة صاحبها بسبب الغباء أو ما نسميه “الغشم”.  وهذا المصطلح أعم من الغباء وأشمل، فالغشم خليط من الجهل والغباء وعدم القدرة على التفكير السليم في الوقت المناسب إلخ. بغض النظر عن النوايا وما يقصده من أمامك ومقدار حبه، كل ما يهم في النهاية هل سيتصرف بعقلانية أم سيتغلب عليه غبائه ويقودك وربما يقود نفسه أيضاَ لحتفه؟

في الأصل لم نولد بنظام معين أو طبيعة شريرة تجعلنا نقدم على إرتكاب معظم ما يرتكب من جرائم وأخطاء في حق بعضنا البعض، ولكن ما نمر به وما يشكلنا يجعلنا نتصرف بناء عليه. هناك من يتصرف بدافع الكره، أو دافع الحقد والكراهية، والأعم والأغلب يكون على أساس الغباء، أو كما ذكرت منذ قليل “الغشم”.

البغض تدفعه النية في الإصلاح بالشكل الذي ارتأه صواب لارتكاب ما قد يكون هو الشر الأعظم بالنسبة للموقف. ولكنهم يقولون أيضاَ أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة، فتكون العواقب كارثية ووخيمة، وستجد حينها من يبرر لك أن ما حدث لم يكن سيء كما تعتقد، وأن الموقف لا يجوز أن تفكر فيه أو تعاتب بناء عليه بهذا الشكل، فيكفي أن نية فلان كانت جيدة.

يكفي أن تعرف أنه لم يقصد ما فعل، أو يفكر ولو للحظة في إيذائك أو تعريضك للخطر أو لأي مكروه. ولكن هل هذا كافي فعلاً؟

هل يمكن للمحبة أن تجعلنا نتغاضى عن هذا المستوى من الغباء الذي قد يدمر كل ما قد يمر من أمامه؟

طوال حياتنا ونحن مطالبون بالتعلم وتحسين أنفسنا وأفعالنا، وأن نصبح النسخة الأفضل التي يمكننا أن نصل إليها. حتى نقابل هذا الشخص طيب القلب صادق النية، الذي لا يكن لنا غير المودة، ولكنه للأسف لا يدرك كيف يتعامل مع أي شيء بالطريقة الصحيحة، وأكيد جميعنا قابلنا ذاك الغبي الذي أخبرنا بأن عيبه الوحيد هو طيبة قلبه، وكونه لا يفكر مرتين قبل أن ينفذ ما يدور بعقله أيا ما يكون. كما قابلنا أيضاً من يرى هذا الشخص يستحق كل ما فقد بسببه، ويستحق العناء الذي جعلنا نتعايش معه فقط لأنه صافي النوايا، ولا يضمر لنا الشر.

الفكرة أننا سنحيا مرة واحدة، ولن نحصل على فرص إعادة لتغيير ما تم إفساده، أو البدء من جديد كل مرة يحاول هذا ال”غشيم” أن ينقذ الموقف، أو أن يكون داعم ويقدم العون تبعاَ لأفكاره التي لا تتناسب مع أي شيء مما يحدث.كلنا نخطئ في حق أنفسنا وحق غيرنا أحياناَ، ولكن المهم بعد حدوث هذا الخطأ أن ندرك ما فعلنا ونعترف به لأنفسنا قبل أن نعترف به للآخرين، حتى لا نظل ذاك “الغشيم” الذي لا يود أحد حتى أن يمر بجواره، لا أن يصادقه.

سارة الشافعي Freelancer

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.