فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مقدمة كتاب: نحو كائناتٍ متساوية

  • 0
  • 1٬592
غلاف كتاب نحو كائنات متساوية

هل يمكن تخيُّلَ طرائق جديدةٍ لتغيير النِّظام السِّياسيِّ دونَ انقلابات وثوراتٍ عنيفة، ودونَ الحاجة إلى تحالفِ أحزاب المعارضة، أو الأحزابِ السِّياسيَّة السَّائدة لتنالَ أغلبية بنسبةٍ بسيطةٍ، محاولةَ إيجادَ نظامٍ يضمنُ مساءلةَ الحكومة دونَ الحاجة إلى صراعٍ سياسيٍّ، ويطمحُ على الأقلّ إلى الوصول إلى حالةِ الإجماع السّياسيِّ التي يصلُ من خلالها الناسُ إلى اتِّفاقٍ حولَ طبيعة وهيكليَّةِ الحكومة.

يطرحُ دانيال لاريمر في كتابه “نحوَ كائنات متساوية” ما يزعم أنّه مقاربة جديدة لطُرقٍ ديمقراطيةٍ جديدةٍ لتشجيعِ بناءِ التوافق والإجماع في المجتمعاتِ، عوضاً عن تقسيمِها لفصائلَ سياسيةٍ متناحرة.

يصف لاريمر نفسه بأنّه مبرمجُ كمبيوتر، واقتصاديٌّ، وخبيرٌ في نظريَّة الألعاب، ورائد أعمالٍ، ويحبّ أن يصف نفسه بأنّه على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية قد كرّس حياته لإنشاء حلول برمجيّةٍ تقدّم الفائدة للمجتمع، ومدافعًا عن حقِّ الحياة الكريمة والحرّية، والملكليّة الجماعيّة، والعدالة للجميع وفق تعابيره.

إنّ افتراضاته الأساسيّة كما يقول في كتابه هي في ايجادُ حلولٍ غيرعنيفةٍ لتأمين حقوقنا ضدَّ المجرمين في القطّاعين العام، والخاص، كما يعتقد بأنّ أولئك الذين يقدّمون مثل تلك الحلول يمكنهم مساعدة النّاس بالتّزامن مع جني الكثير من المال.

يدعو لاريمرفي كتابهِ إلى تخيُّلِ مجتمعٍ ديمقراطيٍّ، يقوم بحوكمة نفسِه بنفسهِ، مجتمعٍ يملكُ الأدواتِ والطرقَ التي تغنيه عن ألعاب السياسة الحاليّةِ مثل حملاتِ المناصرةِ السّياسية، التّشهيرِ بالسّياسيين، سياساتِ التّركيز والتعصّبِ للهويّة وإقصاءِ الآخر، والتخلّصِ من مكائدِ التّلاعب بالأصوات، والتّلاعبِ في ترسيم الدَّوائر الانتخابيَّة، والجدالات، والمناظرات التِّلفزيونيّة التي تشبه تصارع متصارعين في عرضٍ تلفزيونيّ، يُصفّقُ فيه للأقوى والأبلغَ لسانًا.

وفق لاريمر فإنّه على مدى السَّنوات الخمسَ عشرةَ الماضية قد شقَّ طريقه باتّباع وسائلَ غيرِ عنيفةٍ لتنظيمِ المجتمع، فتبنّى وتجاهلَ العديد من الأيديولوجيات والفلسفات المختلفة، وقد اكتشف كما يقول خلال تلك السَّنواتِ المبادئَ الأولى التي سمحت له بدمجِ الحقائق المدفونة في الرأسماليّةِ، والليبراليّةِ، والاشتراكيّة، والماركسيّة، والمسيحيّة، والإلحاد. ومن هذا المنطلقِ يحدّثنا بثقةٍ ( وهو المعروف بثقته الزَّائدة) عن أثر هذا الكتابِ في تغيير الكثير من النَّمطيات والثَّوابت داخلنا، وقدرتِه على لمّ شمل الكثيرين من جديد.

يجادل الكاتب في كتابه “نحو كائنات متساوية” والمتاح مجانًا، بأنّه يهدف إلى تحسينِ حياتنا وحياة مجتمعنا المحليّ، ويتطلّعُ إلى مستقبلٍ أفضلَ للأجيال القادمة، لذلك يرسمُ في كتابه إطارًا لنهجٍ جديدٍ وفلسفةٍ ديمقراطيَّةٍ يدعوها الدّيمقراطيَّةَ الحقيقيَّة، منطلقًا من مبادئَ عامَّةٍ إن وصلت إلينا وتعمّقنا فيها، وفهمنا تفاصيلها؛ فإنّنا سننطلق في تطبيقها في حياتنا اليوميَّةِ مباشرةً، دونَ الحاجة إلى إشراك أيّ شخصٍ آخر في العالم.

ينطلق لاريمر من المبادئ، والأسسِ التي يقوم عليها العالَمُ السّياسيُّ الآن، فيتساءل عن ضرورة الحكومةِ تارةً، ثمَّ يجادل فارضًا ضرورتَها ليسأل عمّا يحكم شرعيَّةَ هذه الحكومة ومصدرَ قوّتها ونفوذها، بل ويتطرّق إلى الغرضِ منها، وصلاحيَّاتها، ثمّ يجادلُ فيما لو اتَّفقنا على الغرض منها، وصلاحيّاتها، ومقدارِ نفوذها، فيمن يحاسبُها، ويلاحقُها ويقيّمُ فاعليَّتها في تحقيق هذا الغرضِ المُتَّفقِ عليه، أو الإقرارِ بفشلها، وضرورةِ استبدالها، كلُّ تلك تساؤلاتٌ وأسئلةٌ يسألها ويجيبُ عنها محاولًا الإلمام بكلِّ تفاصيلها.

يحدّثنا الكاتب عن ظروف كتابة هذا الكتاب في صيف عام 2020، حين كان العالم في حالة تأهّبٍ وصراع، فالنَّاس منقسمونَ كما لم يحدثْ من قبل، وكلّ المؤشراتِ تدلّ أنّ الاضطراباتِ المدنيَّةَ ستزدادُ سوءًا ما لم يتمكّن الجميع من العودةِ إلى رشدهم، وتحقيقِ إنسانيّتِنا المشتركة، فإذا لم نتمكَّنْ من الاتّفاق على عمليَّة حلِّ النِّزاعات المجتمعيَّةِ واحترامها، فما النَّتيجةُ البديلة التي يمكن أن نتوقَّعها؟

يُسقط الكاتبُ لنا مشهدًا من مشاهد مسلسلِ الضياع ليوضّحَ ضرورة إيجاد نظامٍ سياسيٍّ يتفّقُ عليه النَّاس كلُّهم، فيستذكر من المسلسل قصَّة أناسٍ نجوا من تحطّمِ طائرة على جزيرةٍ استوائيةٍ غامضة في مكانٍ ما في جنوبِ المحيط الهادي. النَّاجون من تحطّم الطَّائرة تقطّعت بهم السّبلُ في جزيرةٍ فيها وحوشٌ غامضةٌ، وسكّانٌ أصليّون هاجموهم في أثناءِ انتظارهم لإنقاذهم. تتصاعد التوتراتُ، ويبدأ النَّاجون بالقتال فيما بينهم حتَّى تتدخّلَ شخصيَّةٌ مؤثّرة يُدعى صاحبها (جاك)، وتتحمّس المشاعر بخطابٍ ناريٍّ يدعو الناسَ فيه إلى العمل معًا، منادياً “إذا لم نتمكّنْ من العيش معًا … فسنموتُ وحدنا”.

تتّضحُ غايةُ الكاتب الحقيقية من تأليف هذا الكتابِ من هذا المشهدِ، نيّتُه في وقف القتال، والبحثِ عن طريقةٍ للعيش معًا، فقد حانَ الوقتُ لإدراك المصلحة المشتركة التي تجمعنا في تحقيقِ السَّلام، والازدهار لمستقبلنا، ومستقبلِ عائلاتنا، في دعوةٍ صريحةٍ للتخلّص من الإيديولوجيَّات، والانحيازات، والتَّعامل مع هذا الكتاب بروحٍ متواضعةٍ وعقلٍ منفتحٍ، في دعوةٍ للتَّشكيك في كلِّ ما لدينا من معتقداتٍ، وقبول نسبة الخطأ وعدمِ الكمالِ فيها.

يحذّرُنا الكتاب من خطورة الانغلاقِ على الذَّات، والتعصّب، فإذا لم نفتح خطوطَ التَّواصل والفهم المشتركِ، وننشئ طريقةً جديدةً للعمل معًا، فإنّ القتال سيتصاعد في النِّهاية، وسنصل مرةً أخرى إلى العبوديَّةِ، والإبادة الجماعيّةِ كما حدث سابقًا عبر التَّاريخ، آملًا أن يتبقَّى لدينا ما يكفي من الإنسانيَّة المشتركة للاتّفاق على أنّ العبوديَّة، والإبادة الجماعيّة هي نتائجُ غيرُ مرغوبٍ فيها.

يعالج الكتابُ في سطوره الهجومَ الشّنيعَ الذي تعرّضَتْ له مفرداتُ اللغة من تحريفٍ، وإعادةِ صياغة وتناقضٍ غيرِ مسوّغٍ تقتضيه مصالحُ كلّ جماعة، دون اتَّفاق بين قواميسِ اللغة على الكلمات التي نتطرّق إليها في حياتنا اليوميَّة، مثل اللهِ، أو الحقوقِ الطَّبيعية، أو حتَّى الأخلاقِ، ويحذّرنا من المعاني المختلفة التي تصلُ إلى كلِّ شخصٍ بحسب تحيّزاته في كلماتٍ مثل: “رأسماليّ” و”اشتراكيّ” و”شيوعيّ” إذ تتغيّر المعاني تبعًا لثقافة الشَّخص، وخلفيَّته، ومجتمعه، لقد أصبح كل شيءٍ يحملُ معنىً مختلفًا ذاتيًّا، وفي هذه العمليّةِ تتراجع قدرتُنا على التَّواصل، وتسويةِ النِّزاعات مع الآخرين وفهمِهم بسرعة.

لهذا السَّببِ يحاول الكاتب وضعَ الحدّ الأدنى من الافتراضات الممكنةِ، متأمّلًا أنَّه لا يزال هناك بعضُ الأسس التي يمكننا البناءُ عليه لتحقيق السّلام. فعندما يكونُ هناك خلافٌ بين شخصين، فيمكنهما إمَّا أن يقاتلوا حتَّى الموتِ، أو أن يعيشوا، ويدعوا غيرهم يعيشون، أو يوافقوا على الأقلّ على عمليَّة تسويةِ النَّزاع. إذا لم نتمكَّن من العيشِ، والسَّماحِ للمعارضين بالعيش، فإنَّ الموافقةَ على عمليَّة حلّ النزاع أفضلُ من النَّزاع الدَّمويّ الذي نَقتُلُ فيه، ونُقتَلُ فيه. إنّ الأزمة التي نواجهها اليومَ هي أزمةٌ في منهجيِّتنا الحاليّة لتسويةِ النّزاع، وعمليّةِ “الدّيمقراطية” لدينا.

يؤكّدُ الكاتب على اعتلال ثقتنا كشعوبٍ في عمليَّاتنا السِّياسيّة للتوصّل إلى توافقٍ في الآراء بطريقةٍ مقبولةٍ، أصبحت انتخاباتُنا خيارًا بين السيّئ، والأسوأ، أو الغبيّ، والأغبى، نصفُ السكّان لا يثقون في أنّ الأصوات يتمّ عدُّها بدقةٍ، فقد أظهرَ استطلاعٌ للرأي نشرَه على تويتر أنّ أكثرَ من 14٪ من 533 مشاركًا سيعترفون علنًا بأنّهم على استعدادٍ لتسهيل تزوير الانتخاباتِ ليربحَ مرشّحُهم، وأنّ أكثرَ من 20٪ سيؤيّدون تزوير الانتخاباتِ في بعض الأوقاتِ على الأقلّ حمايةً لقضيّتِهم، ثمَّ يذكِّرنا كيف فرضتْ وسائلُ الإعلام، وشركاتُ التَّواصل الاجتماعيّ الرئيسةِ رقابةً نشطةً على دونالد ترامب (بغضّ النَّظر عن اختلافنا، أو اتِّفاقنا معه) وأيّ قصصٍ غيرِ ملائمةٍ سياسيًّا. نحن، الشَّعب، فقدنا السَّيطرةَ على حكومتنا التي استولت عليها نخبةٌ قليلةٌ تمسّك بالخيوط وراء الكواليس، لا يمكن لهذه النخبةِ أن تظلَّ مسيطرةً إلا من خلال تعزيزِ الانقسام، ومنع بناء الإجماع في المجتمع، وإلا ستموتُ مصالحها السِّياسيَّة.

في نزعته السِّلمية اللاعنفية يطرح لاريمر أنّه يمكن لشعبٍ ما أن يعمل معًا لاستعادة قوّتِه من أولئك الذين يقوّضونَ الدِّيمقراطيَّة سواء كنت ثائرًا، أم رأسماليًّا، أم اشتراكيًّا، أم شيوعيًّا أم مسيحيًّا، أم ماركسيًّا، أم ملحدًا، أو حتَّى عنصريًّا، يطلبُ الكاتب منك أن تنحّيَ جانبًا أجنداتك السِّياسيَّة الطوباويَّة، وتبعدَ الخوف من الإيديولوجيات الأخرى لفترة كافيةٍ للنظر في طريقة جديدةٍ، للتوصّل إلى إجماعٍ يمكنُنا جميعًا التَّعايش معه. يطلبُ منك أن تفكّرَ في أن الحقيقة بعيدةٌ عنا جميعًا، وأنّ وضعَ أي إيديولوجية (مهما كانت) في السلطة على أكمل وجه من المرجّح أن يدعمها بطرقٍ لا يمكنُنا تخيّلُها أبدًا. والأكثرُ أهميةً من إيديولوجياتنا وفلسفاتنا هو بناء الإجماع وعملية القياس المستمرِّ إذا لم نتمكّن من التوصّلِ إلى توافقٍ في الآراء، والحفاظِ عليه، فإنّ أي مدينةٍ فاضلةٍ تكونُ غير مستقرّةِ؛ لأنّ الشخص المقتنعَ ضد إرادته لا يزال لديه نفسُ الرأي.

يزعم لاريمر أنَّه يطرح الدِّيمقراطيَّة الحقيقيَّة وأنّه يستكشف النَّموذجَ الجديدَ للديمقراطيّة، ديمقراطيةٌ لا تَصُوغُها لنا وسائلُ الإعلام، والمؤسّسات الحكوميّة، تَسعى في مآبِها إلى تحقيقِ الهدفِ الحقيقيّ مِنها ألا وهوَ الاستقرارُ وحفظُ حقوقِ كلّ الأطرافِ، وتحقيقُ الأمنِ، والسَّلامِ المجتمعيّ، لا التّنازع السّياسي والانتصار لبني جِلدتنا دونَ غيرهم فقط لأنّهم بنو جِلدتنا.

هذا الكتاب يفتح برأيي آفاقًا جديدةً بفصوله العشرين، رغم أنّ الكاتب مثيرٌ للجدل في عالم البلوكتشين،وله أنصارٌ، أو كارهون كثيرون بسبب ما يتَّهمونه به أنّه سبب فشل مشروع إيوس في النَّجاح مقارنة مع الزخم الذي ناله حين تم تمويله جماعياً.

ما يثير الانتباه أنّ رغم كلِّ ذلك يعتبر لاريمر كلَّ مشروعٍ من هذه المشاريع التي قام بها تجربةً اجتماعيّةً في بناء المجتمع، والحوكمة، والحوافز الاقتصاديّة، ونظريّة الألعاب، ويبسط كل المليارات التي تمَّ جمعها بقوله ببساطةٍ، لقد تعّلمت خلال تلك المشاريع الكثير عن الطّبيعة البشريّة، ومشكلات التّنسيق، والحوكمة المجتمعيّة، وأنظمة التّصويت.

فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.