صندوقٌ خشبيٌّ قديم

صندوقٌ خشبيٌّ قديم

بقلم آنا بانونتو – Anna Panunto

ترجمة: حلا الجابر

صندوقٌ خشبيٌّ قديم
Anna Panunto

تُشير السّاعة إلى الثّانية صباحاً. سكن الليل وعَمّ سكونه على أرجاء المنزل، ما عدا المطبخ، الذي كانت دقّات ساعته؛ تصدر صوتاً تنويميًاً، يعكّر صفو الهدوء الليليّ. ها أنا ذا، استريح بجسدي الذي سلّمته للآلام والتّعب، على أريكتي الجلديّة المريحة. آخذ وسادتيَّ المفضّلتَين، أضع واحدة بعناية تحت رأسي، والأخرى تحت قدمي. آهٍ، يا لها من راحة كبيرة حيث بدأ صوت دقّات السّاعة يرافقني ويدخل أذناي، إنه يرتفع أكثر وأكثر، ليتسلّل إلى كل جزء في جسدي، تلك الدّقّات تنوّمني- وتُدخلني تدريجياً بشيءٍ ما أشبه بغيبوبة، غيبوبة تأمليّة .

أستسلم بقواي الخائرة لهذه النشوة المنوّمة؛ على وشك أن أغفو أخيراً. مهلاً، ماذا؟ ألن يحالفني الحظّ مع النّوم في هذه الليلة؟ هذا ولأن رغبة غير متوقّعة تنتابني الآن للنّهوض، كي أذهب وأفتح صندوقي الخشبيّ القديم وأنظر فيه .هذا الصّندوق مخبّأ منذ سنين غابرة بين كتبي، على أحد رفوف المكتبة العتيقة الأثريّة، في الطّرف المقابل من غرفة المعيشة. أشعر بالتردّد يستحوذني –لحظات عدّة- للقيام بذلك. حسناً، أُفكّر، لماذا سأكلّف نفسي عناء النّظر من خلال هذا الصّندوق ؟ لقد أصبحتُ سجينة للأرق – فقد ضاع ذهني شريداً، وعقلي الذي أضناه القلق في آلام الأمس. نعم، قد انتصرتْ عليّ رغبتي تلك في جولتها، هذه الرّغبة التي لا تلين قد نالت مني. أنهض بخطى وئيدة جدّاً، أمشي نحو رفّ الكتب الخاص بي، ها قد وصلت، أقفُ مثل الزومبي، أتمتم بشيء لنفسي لا معنى له . أين هو؟ نعم، تذكَرت، إنّه مخفيٌّ في الطّرف البعيد على الرّفّ الأوّل. أقوم بسحب -بحذرٍ ودقّة- أثمن ممتلكاتي على الإطلاق؛ صورة قديمة بالأبيض والأسود، لك يا أبي.

الّليلة، لدي موعد قد قمتُ بتأجيله لمدّة طويلة، سأسافر بعيداً إلى طفولتي البعيدة، ومن يدري؟ ربّما، في خضم الأرق والعالم الآخر، سأحظى على أن أوحّدك بي ومعي. أسحبُ الصّورة خارج الصّندوق، وأَنظُرُ لها عن كثب، وكأنّ عينيه تحدّقان في وجهي الذي طالما ألفه. هذين العينين الّلتين تدفعاني إلى البكاء، وها هي دموعي المالحة التي أعرفها جيداً، بدأت تنهمر على خدودي الملساء. كل ما أحتاجه لكي أغرق في دموعي، هو صورتك ورائحة عينيك يا والدي. هناك خط أبيض واضح في وسط هذه الصورة – لم يسبق أني لاحظته من قبل.

حسناً، سأدير الصّورة لأرى ما كُتب عليها، التقطتْ هذه الصّورة في أغسطس 1962. من التقطها يا أبي؟ لطالما تمنّيت أن أسألك، هل كانت امرأة؟

أنت تضحك الآن ويمكنني أن أرى غمّازاتك التي حفرها الخالق في وجهك، والتي زادت من وسامتك.

آنا، لقد تزوجت في سن صغيرة جدّاً، كما تعلمين. كان عمري واحد وعشرين عاماً تقريباً – أي لا أزال طفلاً . أخبرني جدك أنّي كنت صغيراً جدّاً للقيام بذلك. كان ينبغي علي الإنصات له. لكن، والدتك، كانت جميلة، وبهيّة جدّاً. عندما كنّا شباب كنّا ساذجون ومليؤون بالأمل. في تلك الأيام، كان جدّك صارماً للغاية، كان يفرض قاعدة ويمليها على رؤوسنا “لا للمواعدات الغراميّة…” نعم، أعرف القصة كلّها، يا أبي.

بعد ست سنوات، أتيت أخيراً، ما الذي استغرقك وقتاً طويلاً ؟ أستطيع أن أراك تبتسم الآن – تلك الابتسامة السّاحرة الكاريزمية لممثّل، التي أذابت قلوب الجميع، حتى أولئك الذين لم يحبّوك.

“نعم، لكن يا أبي، هل أحببت أمّي حقّاً؟”

آهٍ يا أبي، صمتك المطبق! إنّي أستطيع أن أراك كيف تستلّ صمتك من غمده كسيف كوبس.

أسمعُ ضحكات فتاة صغيرة. شقراء، ذات عينين بنّيتين كبيرتين، ترتدي فستاناً أرجوانيّاً، مع فيونكة بيضاء على رأسها. تلعب في الفناء الذي يتوسّطه شجرة الكرز الطويلة، ومساحة كبيرة من الخضروات المزروعة.

نشِطة كثيراً، مسرورة ومرتاحة البال. مهلاً، إنّها تقطف زهرة توليب برتقالية الّلون، تشمّها وتدسّها بالقرب من صدرها.  فتاة في الثّامنة من عمرها، يفوح منها ربيع السعادة والبراءة ، لا تكفّ عن شقاوتها الطفولية بأسئلتها هذه؛

 “أبي، أبي، من تحب أكثر؟”

“أبي، أبي، هل ستشتري لي تلك الدمية؟”

“أوه ، آنّا! أنت تثيرين جنوني أحياناً، ما الذي سأفعله بك، يا صغيرتي؟

لكن سرعان ما تحوّلت السّنوات إلى عقود، وبدورها تحوّلت الأسئلة السّخيفة إلى تساؤلات في غاية الأهميّة

“أبي، لقد حان الوقت لأن تُلقي على كاهلي المزيد من المسؤوليّات. أعتقد أن بإمكاني العمل على إنشاء إعلان جميل لشركتنا …”

أريد أن يكون لي أثراَ، أريد أن أحدِث فرقاً حقيقيّاً. تردّدت هذه الكلمات في ذهني على مدار العقود الثلاثة الماضية.

أُقبّل الصّورة الآن، وأشعر بالبرودة تلامس شفتيَّ، إنّها متشقّقة حول الزوايا ومهترئة، تكاد تتداعى شيئاً فشيئاً. إن حالتها البالية تجعل الدّموع تفيضُ من عينيّ مرة أخرى.

إنّي أداعب وجهك بأطراف أصابعي، أشعر بأنه يغمرني، لأصبح مذهولةً بصوته النّاعم كالتّهويدة، التي تأخذني وتضعني عند صوتِ حفيفِ أوراق شجرة الكرز في فناء دارنا. ولكي أنجو من كلّ قلق انتابني، صار صوتك يُخرج منه كل تذمّر قد أخافني، بهمهماته، كالأشباح الخفيّة. كيف يمكن لصورة قديمة أن تتحدّث بصوت عالٍ وصاخب إلى هذا الحدّ؟

“كوني فخورةً بوالدك. انظري إلى كلّ ما قدّمته لكِ “. “لكن، يا أبتي، هل أنتَ فخور بي؟”

وكأنّ الصّورة ترغب أن تكشف عن سرّ قديم؛ حسناً، سأستمعُ لها بهدوءٍ يصم الآذان.

“لا يوجد أي رجل يحبّك مثل والدك، تذكّري ذلك ما حييت، واستمعي دائماً إلى ما يقوله هو فقط، لا أحد سواه”.

يراودني حلم يا أبي، أرى الحمام البيضاء يتم إطلاق سراحها، إنهم يطيرون نحوي، أنا سعيدة حقّاً بمجيئهم،

أبي ، هل تسمعني؟ – آهٍ، لقد طارت الحمائم بعيداً عني، أنا لا أقوى إلّا على قول وداعاً لهم، ولكن واحدة منها قد طال انتظاري لها، واحدة فقط. أتدري من هي يا أبي؟ أتدري من هي يا يمامتي البيضاء؟

تتهاوى الصّورة وتنزلق من بين أصابعي، لتسقطَ على السّجادة. تهمسُ لي وداعاً بلغتي الأُم. أتركها حيث وقعت، لأذهب وأخلد إلى النوم، نومٌ عميق ينتظرني. تُصبح على خير.

حلا الجابر كاتبة

كاتبة، مُترجِمة، مشروع ناقدة سينمائية وتلفزيونيّة.