كل ده كان ليه؟!

  • 3
  • 0
  • أردد بصري بين كوب الشاي الموضوع أمامي وبين النافذة التي تركت إطارها الزجاجي مفتوحا، يداهمني الهواء البارد متسللاً عبر فتحات الشيش المغلق، أراه يعبث ببخار الشاي كيفما شاء، ثم ما لبثت أن شعرت بلسعاته وهي تخبط جسدي البارد سلفا، حيث إنني لست ممن يتحملون البرودة، فأجدني أتحول “لكرنبة” في فصل الشتاء من كثرة الملابس التي أرتديها، وفي الأخير لا يصلني الدفء المطلوب، أما أطرافي فهم متجمدون طوال الوقت كأن الدورة الدموية لدي بها عيب صناعة! أخبرتني أختي ذات يوم – وهو مثل أجنبي على ما أتذكر – “أن الذي يكون جسده باردا طوال الوقت يكون قلبه / داخله دافئاً والعكس صحيح” وأنا لا أعرف ماذا يعني هذا؟! لكنني على أية حال لا أشعر بأي دفء بداخلي، بل خواء وبرودة يصفر فيهما الصقيع كبطل متوج. 

    وبعيدا عن برودة الشتاء إلا أنه يصيبني بالكآبة والملل كونه محكوم عليه بالسجن القسري، فلا نافذة تُفتح، ولا شمس تشرق، ولا القدرة على الخروج من المنزل في حضرته إلا قليلاً، سكون وكآبة متعمدتين من قبله، بالإضافة أنه يزيد من تهيج حساسية الجيوب الأنفية لدي.

    كوب الشاي لازال ساخنا، وأنا أحب أن أشربه دافئاً كحال أي مشروب ساخن وهذا يستفز عائلتي لهذا يطلقون علي لقب “الباردة”!  لكن الشاي بدا أن البرودة لم تؤثر عليه بعد، كأنها اكتفت بالعبث ببخاره مثلما تفعل معي الآن بذكرياتي الرمادية التي راحت تشق عباب الماضي المغلف بالجمود والهجر..

    تهمس لي الريح بلؤم أن روحي باردة لأنها لم تذق طعم الحب بعد، وأنها سوف تشيخ باكرا أو ستظل باردة حتى تستحيل إلى كومة ثلج. ابتسمت، نعم وجدتني ابتسم بكل برود! اشتد صفير  الريح حتى خُيّل إلي أنه يصارع النافذة ليكسرها، ليصارعني ويظل يلكم فيّ حتى يحولني إلى ذرات رمل أو هواء وأكون بهذا رفيقته في الانجراف والتكسير وإحداث ضجة من اللاشيء! 

    تمر علي وجوه من أحبوني، من رأوا في قلبا غير هذا البارد العصيّ، من عرفوا أنني أفضل الوحدة والسلام على دخول طرق لا تناسبني، من ابتعدوا بعدما تبين لهم أن خريطتي واضحة وأن محاولاتهم في ترسيم حدودها قد باءت بفشل مرتد، حيث خرائطهم هي التي  كانت تتغير وتختلف، وأنا لست من ذوي البديهة العالية، فكنت أنتبه لغرق القشة الأخيرة بعد فوات الأوان إلا مرة واحدة، أصررت فيها على أن أنير كافة كشافاتي طوال الرحلة، ممنية نفسي أنني بهذا سأنقذ شرفة أحدهم من الانطفاء، لكنني قد فشلت والكشافات كانت قد نفذت طاقتها دون جدوى، فالأهواء لا يحدها قوانين طالما أنها لم تحصل على مُرادها لكن ليس بالقلب حيلة، وغادر لكنه قد ترك أثراً رغم أنني عادة وبمجرد رحيل روحا أي كانت قصتها معي أدفنها تماما. لكن هذه الروح أبت أن تُدفَن أو كأنما طَيفُها لم يتقبل الأمر، فراحت تلوّح لي وتحضر بين أوقاتي المضطربة، وكنت أقابلها بالاستهجان. لماذا تعود لتشرق وهي التي اختارت الغروب؟ لكن بدا لي أن نفسي ذاتها لم تأبه للأمر وتقبلته وتقبلت وقع حضورها المتكرر.

    تصدح وردة في إحساس مرهف  وحزين “لا تقل لي ضاع حبي من يدي يا حبيبي أنت أمسي و غدي فترفق ولا تحطم معبدي إن في عينيك همس الموعد..” هذه القصيدة إحدى بقاياه، حتى أنني مازلت أتساءل كيف رأى أنها تناسب حالتنا؟! أنها بعيدة كل البعد كما السماء والأرض، لكن يدي أصبحت خبيرة بتشغيلها تلقائيا كلما داهمتني رياح الوحدة وموجات الفراغ الخانقة.

    أعرف يا ريح أنكِ مازلتِ تعبثين بي، لكن صدقا هذا لن ينفع معي، فأنتِ الأدرى بحال قلبي الجامد، تعرفين أنه لازال مغلَّفا كهدية قديمة قد أضاعها أحدهم أو نسى أمرها ولا تسألين عن سبب النسيان، ولا عن سر استيقاظ هذه الروح وتجوالها بداخلي فجأة!

    “ما تفوتنيش أنا وحدي أفضل أحايل فيك، ما تخليش الدنيا تلعب بي وبيك، خلي عليا شوية وخلي شوية عليك ..” سيد مكاوي يغني برجاء خالص لحبيبته، وأنا أغني للريح ولبخار الشاي ولفراغ روحي، أغني لكل الذين هجروني لأنهم رأوا أن صداقتي لم تكن كافية، وللذين هجرتهم أيضا. أغني لقلبي الذي قارب على التجمد، وللشتاء الذي يحاول مغازلتي بهذه الحروف المخففة من حدة صقيعه، أغني لنفسي ولوردة ولهذه الروح.. بأن الحب ليس عملة كي يضيع من يدينا، بل طرقنا التي تنافرت يا صديقي، ونعم يا وردة قد ملأنا زورق الليل حنينا، لكنه أضحى كوهم كالحريق لأن كلانا قد أساء فهمه.

    أمسك بكوب الشاي في لهفة العطش، تخدرني سخونته للحظات ناسية أن توالي الذكريات وهجماتها لن تنتهي، وأن الرياح لازالت ساكنة على نافذتي تتربص بي في هدوء مريب، والغرفة برمتها قد أضحت كهوة سحيقة في صحراء بعيدة، فمهما صرخت واستغثت لن ينجدني أحد ولا حتى هذه الروح العالقة التي تدّعي مؤزارتي. يكفي أنني أعرف أن المضي قدما هو إنجاز حتى لو كان سيصل بك إلى غرفتك الخاوية وحيداً، لكنني سأكسر جزءا من هذه اللعنة الآن.. صوت عبد الوهاب الذي بدأ يصدح للتو يزيد من عزيمتي، فأغادر وأنا أغني معه في انتشاء حزين “كل ده كان ليه..؟”

    ولاء عطا الله كاتبة

    اكتب يا هيبا؛ فمن يكتب لن يموت أبداً..