فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

ماذا لو أدخلنا العشوائيةَ في الحوكمة؟

  • 0
  • 2٬648
ماذا لو أدخلنا العشوائيةَ في الحوكمة؟

تفشل معظم المشاريع الجماعيَّة، وكلُّ أفكار تنظيم التجمّعات، والمجتمعات المحلِّيَّة حين تحاول بناء نموذج حوكمةٍ ناجحٍ، إذ يتحوَّل الأمر بشكلٍ، أو بآخر مباشرة إلى بناء تحالفاتٍ وسيطرةِ لوبي معيّن على اتخاذ القرار وأخذ الجماعة بالإتجاه الذي يريده، وحتَّى في لعبة الإنتخابات الحرّة يجمع المؤثِّرون الأصواتَ من غير المهتمِّين بالعمليَّة الإنتخابيَّة، ويستطيعون تحقيق الأغلبيَّة البسيطة 51% والتي تؤدِّي بهم إلى ممثِّلين شرعيِّين عن المجتمع ككلِّه.

يحدث عادةً أن يركِّز المرشَّحون على عمليَّة الفوز بالإنتخابات لحوكمة التجمّع، ويكون هدف الفوز مختلفًا تمامًا عن تمثيل التجمّع الحقيقيِّ فعلاً، وخاصّة مع ألعاب السِّياسة الحاليَّة مثل  حملات المناصرة السِّياسية، التشهير بالسياسيِّين ، سياسات التَّركيز على الهويَّة وإقصاء الآخر، التَّلاعب بالأصوات، التَّلاعب في ترسيم الدَّوائر الانتخابيَّة، الجدالات والمناظرات التلفزيونيَّة، لا يمكن الجزم أنّ ذلك يقود إلى تمثيلٍ عادلٍ للجميع في الحوكمة.

لفت نظري، واهتمامي كتابات دانيال لاريمر، واهتمامه في بناء المجتمعات اللَّامركزيَّة، وتجاربه الطَّويلة في هذا المجال منذ 15 عامًا، ورغم الضَّجَّة التي تحيط به لأنَّه متّهم بأنّه يتخلَّى عن مشاريعه بشكلٍ، أو بآخر، ويعتبرها مجرّد تجارب رغم وصول تقييم بعضها إلى مليارات الدُّولارات ذات لحظة، إلّا أنّ كتاباته تناقش بشكل أهدأ من أفعاله مواضيع الحوكمة في المجتمعات، وخاصَّة في فضاء اللامركزية، والبلوكتشين.

يصف دانيال نفسه بأنّه مبرمجُ كمبيوتر، واقتصاديٌّ، وخبيرٌ في نظريَّة الألعاب، ورائد أعمالٍ وأنّه على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، قد كرّس حياته (وفق مفرداته) لإنشاء حلول برمجيّةٍ تقدّم الفائدة للمجتمع، ومدافعًا عن حقِّ الحياة الكريمة، والحرّية، والملكيّة الجماعيّة، والعدالة للجميع.

طرح لاريمر منذ فترة مقترحًا لإدارة المجتمع الخاص بمشروع وعملة إيوس (eos) لإدارة الموارد الماليَّة بشكلٍ أفضل، وايجاد حلول ماليَّة ناجحة لدعم المجتمع، وقد ركَّز في مقترحه على فكرةٍ أجدها مثيرة جدًّا للإهتمام، وهي توظيف العشوائيَّة في العمليَّة الإنتخابيَّة، لكي يتمُّ منع التَّكتُّلات، والتَّحزّبات داخل المجموعة، وتوظيف العشوائيَّة بشكلٍ، أو بآخر لوصول أشخاص أكفَّاء ممثِّلين للمجموعة.

وفق رؤية لاريمر، ينشأ المجتمعُ بفردٍ يمتلكُ رؤيةً خاصةً، ثمّ يدعو الآخرينَ إلى الانضمامِ إليه، أو لمجموعةٍ صغيرةٍ من الأفراد تتّفقُ على منهجٍ معيّنٍ في تسييرِ الأمورِ، ثمّ تدعو الناسَ للَّحاقِ بها وتأييدها، فليس من الصَّوابِ أبدًا أن يفتحَ المجتمعُ البابَ على مصراعيه، ليدخلَه الجميعُ دونَ امتلاكِ مقوّماتٍ يحدّدُها هو؛ فمثلُ هذا المجتمعِ سيكونُ شبيهًا بالثَّقافةِ السَّائدةِ في عالم الأثرياء، إضافةً إلى أنّ قبولَ الأفراد في المجتمع يتوقّف على درجةِ تقبّله لنظامِ حوكمةِ هذا المجتمع واحترامه، ولا يمكنُ جمعُ النَّاس بدايةً، ثمّ طرحُ فكرةِ حوكمةٍ عليهم.

لدخول المجتمع يجب أن يعبّر الشخص عن رغبته بذلك من خلال دفع مبلغ مادي، بحيث يتم جمع تلك المبالغ المادية لانفاقها لدعم ذلك المجتمع وتطويره.

توظيف العشوائيَّة في العمليَّة الانتخابيَّة

تجري العمليَّةُ الانتخابيّةُ وفق ثلاث مراحل:

المرحلةُ الأولى: اختيارٌ عشوائيٌّ لمجموعات تضمّ كلٌّ منها عشرةَ أفراد بمُمثّلٍ رسميٍّ لكلٍّ منها، يتعيّن بالفوز بثمانيةِ أصواتٍ (يشكّلون المستوى الأوّلَ من الأعضاءِ المنتخبين).

المرحلة الثانيَّة: يعيّنُ أعضاءُ المستوى الأوّل مجموعاتٍ عشوائيةً من عشرةِ أفراد، وتختار كل مجموعة مُمثّلًا لها بالفوز بثمانيةِ أصوات. وفي حال عدم حصول الإجماع تفقد المجموعةُ مكانها التمثيليَّ في المرحلة التَّالية، تتكرَّر العمليَّة حتَّى نصلَ إلى مجموعةٍ أقلّ من 10 أفرادٍ نهائيّة

المرحلة الثَّالثة: يُنتخبُ من المجموعة النهائيّةِ للمُمثّلين المنتخبينَ بعددٍ أقلّ من عشرة، ويختارُ الرئيسُ بموافقة ثلثين زائدًا واحدًا، ويختارُ نائباه عشوائيًّا.

تنتهي العمليَّةُ الانتخابيَّةُ بتأليف حكومةٍ ثلاثيَّةٍ تتألَّف من: الرئيسِ ونائبيه، وتسمّى السّلطةَ الحاكمة الثّلاثيَّة، وأيّ قرار يصدرُ عن هذه السّلطةِ يتطلّب موافقةَ الرَّئيسِ وأحد نوّابه.

ضمن هذه العمليّة يمكن لـ 1000 شخصٍ أن يتمّ تقسيمهم إلى 100 مجموعةٍ كلّ منها 10 أشخاصٍ يصل منها 100 شخصٍ يتمّ تقسيمهم إلى 10 مجموعاتٍ، ومن ثمّ يصلُ 10 ليصل منهم 3.

توظّف تلك المنهجيَّة ضمن مقترحٍ أكثر تفصيلًا إدخال عامل العشوائيَّة في الانتخاب لينجح الشَّخص بناءً على سمعته في المجتمع وليس بناءً على تحالفاته الحزبيَّة، وبالتَّالي لا يستفيد أي شخصٍ من عمليَّة جمع الأصوات اللازمة لفوزه في الانتخابات وإنما سيتمُّ فرز المجموعات بشكلٍ عشوائيٍّ، وقد يلتقي شخصان متضادان في مجموعةٍ واحدةٍ، ويؤدِّي انقسامها إلى عدم ترشيح ممثِّل بالإجماع عنها.

من المثير للإهتمام حقاً التفكير بشكل جديّ في تطبيق العشوائية بشكل أو بآخر واستكشاف النتائج، والمثير جداً مراقبة تجربة لايمر وما سيصل له بعيداً عن حمّى السوق وسعر العملة كمعيار لنجاح تجربة من فشلها.

فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.