فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مراجعة كتاب “التّحدّثُ إلى الغرباء”

  • 0
  • 2٬664
غلاف كتاب التحدُّث إلى الغرباء

يأخذُنا الرّائعُ مالكولم غلادويل في كتابِهِ “التحدّثُ إلى الغرباء” في رحلةٍ عبر اللامتوقَّع!  فالصّحفيُّ الإنكليزيّ -الكنديّ، والمؤلّفُ الرّائعُ الذي تصدّرتْ كتبهُ الأربعةُ قائمةَ (نيويورك تايمز) للكتبِ الأكثرِ مبيعًا، يتبحّرُ بقلمه المبدعِ في أعماق النّفس الإنسانيّة، والافتراضات، والمغالطات التي نقع بها حين نلتقي بأشخاصٍ غرباءَ.

يحدّثًنا الكاتب ببراعةٍ كيفَ نسيءُ فهمَ الغرباء، وكيف نكونُ منطقيِّينَ في ظروفٍ غيرِ منطقيّةٍ، ولماذا نحن سيّئونَ إلى هذا الحدِّ في الحكمِ على الآخرين، أو في قراءةِ تعابيرِ وجوهِهم، أو في كشفِ أكاذيبِهم، ويبيّنُ بدقّةٍ: لماذا نُخفقُ في فهمِهم بالشّكلِ الصّحيحِ أحيانًا؛ من خلال سلسلةٍ من الأحاجي، والمواجهاتِ، وحالاتِ سوءِ الفهم، ومن خلال سردِ قصصٍ قصيرةٍ متداولةٍ، وصولًا إلى قضايا قانونيّةٍ شائنٍة.

من منّا لم يسمعْ حديثًا مُطوّلًّا من أحدِ أجداده، أو معارفِه الكبارِ عن ذكرياتٍ كان التّجمعُ البشريُّ فيها هو العاملُ الرّئيسُ في أحاديثِ القُرى، وجلساتِ الجيرانِ؟

لم يكن ذلك الزّمنُ زمنَ المخاوفِ، إذ كان النّاسُ يعيشون فيه جنبًا إلى جنبٍ ضمن عالمٍ ضيّقٍ، وفي حيّزٍ مكانيٍّ صغيرٍ، ومحدودٍ، وكلُّ مَن فيه يألف الجميع، ويألفه الجميعُ، خلافًا لعالمنا اليوم الذي اتّسعتْ فيه دائرةُ المجتمع، وتنوّعتْ كثيرًا، وصارَ لا بُدّ من مواجهةِ الغرباءِ يوميًّا، واضطّرَ البعضُ إلى التّواصلِ معهم عبر المُترجمين لاختلاف لغاتهم، ممّا أفقدَ الكلام كثيرًا من معناه الحقيقيِّ، فجملةٌ ودِّيَّةٌ في أحد الثّقافات قد تعني حربًا في ثقافةٍ أخرى، لذلك يحذّرنا الكاتب من هذا الاختلاف، ويدعونا في مواضع كتابه إلى عدم تشكيل صورةٍ كاملةٍ عن الغرباء بل إبقائها مشوشة في نظرنا حتّى لا نثق تمام الثّقة فيهم ثمّ نتفاجأ بردود أفعالِهم، وتصرّفاتهم.

مشكلةُ القلب الطّيب

يشيرُ الكاتب إلى الأكاذيب على اعتبارها سببًا هامًّا في سوء التّفاهم، وقد يكون من الصّعب جدًّا على البشر اكتشافها، وإدراكها لأنّ الانسان الكاذب يبدو صادقًا في أغلب الأحيان، وغالباً ما يصدّق الناس الغرباء ويقبلون أيّ كلامٍ منهم حتّى لو لم يكن مستندًا إلى الحقائق، فيثقون فيهم ممّا قد يوقع بهم في مشاكل كبيرةٍ مثل سرقة المدّخرات، والنّصب، أو الاحتيال، أو حتّى الخطف، والاعتداء الجنسيّ، وصولًا إلى القتل أحيانًا!

ليس للأمر علاقة بالسّذاجة، أو الغباء، أو مستوى التّعليم، بكلّ بساطةٍ يميلُ بعض النّاس إلى الثّقة ببعضهم البعضِ بالفطرة، فبحسب ما قرّره عالمُ النّفسِ “تيم ليفين”: إنّ النّاسَ يتصرّفون من منطلقِ أنّ الآخرين هم مصدرُ ثقةٍ في طبيعة الحال، بينما يميلُ عددٌ قليلٌ من النّاسِ إلى عدم الثّقة بالنّاسِ بالفطرةِ أيضاً، لكنّ المشكلةَ تكونُ بإشكاليّةِ ظهورِ المشاعر، والأحاسيسِ الحقيقيّة على وجه الشّخص، هل يُفترض أن يظهرَ ما في داخلِ الإنسانِ على هيئته الخارجيّة؟

في الحقيقة لا … فلم يثبت أنّ هناك علاقةٌ بين قسمات وجه الإنسان، وما يكتنز في قلبه من مشاعر، لكنّ الناس تميل غالبًا إلى عكس هذا الرّأي العلميِّ فتحكم على الإنسان من قسمات وجهه، وتصفه بالغرور، أو الغضب، أو الحماقة دون وجه حقٍّ، أي لا يكون الرّابطُ بين مظهرِ النّاس وتصرّفِهم، وكيفيةِ تفكيرهم، وحقيقة مشاعرهم موجودًا بالضّرورة، وبعبارةٍ أخرى: لا يقدّم تعبيرُ الوجهِ بالّضرورة لمحةً عن الحياةِ الدّاخليةِ للّشخص.

مأساة نوكس

في الثّقافات الغربيّة يُمكن أن يقودَ الاعتقادُ الخاطئُ بشفافيّةِ المشاعرِ (أي ظهورها بشكلٍ صحيحٍ على ملامح الإنسان) إلى تقييمِ شخصيّاتِ الآخرين بشكلٍ سيّءٍ، ومن الأمثلةِ على ذلك “أماندا نوكس”  التي أُدينتْ عن طريقِ الخطأ بقتلِ زميلتِها في السّكن، عندما كانتْ تدرسُ في إيطاليا، “نوكس” فتاةٌ غريبةُ الأطوارِ، تعرّضتْ لسوء فهمٍ بعد حادثةِ القتل، فبالنسبة إلى المحققّين، والمتابعينَ الآخرينَ، بدت “نوكس” غاضبةً بشكلٍ غير لائقٍ بدلًا من أن تبدوَ حزينةً، ولكونِها لم تُظهرْ مشاعرَها المُناسبةَ على وجهها، فقد أُدينتْ ظلمًا؛ وذلكَ لأنّها فَشلتْ بالتّصرفِ مثلَ أيَّ شخصٍ بريءٍ.

“نوكس” هيَ واحدةٌ من العديدِ من الأشخاصِ في نظامِ العدالةِ الجنائيّةِ الذينَ دفعوا ثمنًا باهظًا بسبب فشلهم في تلبيةِ التّوقعاتِ الاجتماعيّة

 يثيرُ وضعُها سؤالًا دقيقاً: هل ما زالتْ تعابير وجهنا هي معيار الوصولِ إلى الحقيقة؟

قد يفّسّرُ شخصٌ غريبٌ توتّرَ الّشخصِ المقابلِ على أنّه كاذبٌ، وعلى النقيضِ من ذلك، فإنَّ الكذّابَ الذي ينظرُ إلى القاضي مباشرةً في عينه قد يُطلَق سراحُه لمجرّدِ ارتدائهِ قناعَ البراءة.

يمكن أن تكون التّفاعلاتُ وجهًا لوجهٍ مُضلِّلةً عند تقييمِ شخصيّة ِالآخرين، فمثلًا يتخيّل معظمُ النّاسِ أنّه يمكنهم معرفةُ شيءٍ ما عن شخصيّة أحدِ النّاسِ من خلال التّفاعلِ معه، والحديث إليه وجهًا لوجهٍ، وعلى سبيل المثال، يحبُّ القضاةُ أن يتحدّثوا مع الأشخاص الذين يصدِرون أحكامًا عليهم، وأن يتفحّصوا وجوهَهم، وغالبًا ما يكون القضاةُ أكثرَ تساهلًا مع الأشخاصِ الذين يُظهرون مستوىً مناسبًا من النّدم، وبالانتقالِ إلى مجالٍ بعيدٍ عن عالم القضاة، والجرائم  يُطرحُ السؤالُ الآتي: من منّا لم يجرّبْ يومًا التّقدّمَ إلى إحدى الوظائفِ، أو التّقدّمِ إلى منحِ الجامعات، وطُلبَ منهُ إجراء مقابلةٍ معه، ربّما تكون بشكلٍ شخصيٍّ، أو عبرَ دردشةِ الفيديو؟

ومع ذلك، وعلى الرّغم من الإجماعِ على أنّ الاجتماعاتِ وجهًا لوجه مهمّةٌ جدًا، وعلى الرّغم من مقرراتِ البحثِ النّفسيِّ، فإنّ الفكرةَ العكسيّةَ القائمةَ  على أنّ الاجتماعاتِ الشّخصيّةِ تسمحُ للفرد بفهمِ شخصيّة شخصٍ آخر، لا تزالُ قائمةً على أنّها حقيقةً بديهيّةً، لذا بات من الضّروري اليوم إعادةُ تقييمِ الطرّيقةِ التي نجمع بها المعلوماتِ عن الأشخاص الآخرين، إذ لا يوجد دليلٌ حقيقيٌّ على أنّها تُساعد في إصدارِ أحكامنا بأيّ شكلٍ من الأشكال، وفي بعضِ الحالات ، يمكن أن تكونَ هذه التّفاعلاتُ مُضلّلةً للغاية،  مثلَ قصّة “نوكس” مثلًا.

إنّ قراءةَ هذا الكتابِ ستكشفُ للقارئ حقيقةً مفادها: إنّ الغرباءَ ليسوا شخصياتٍ بسيطةً على الإطلاق، فهو يستعرضُ في صفحات هذا الكتاب الدَّوافعَ الكامنةَ وراءَ تصرُّفاتنا، ويضع بين أيدينا الأسباب التي تدفعنا لنكون سيّئينَ للغاية في ترجمة ِمعاني بعضنا، وفهمِها، ويرشدنا إلى آليّةِ سبرِ أغوارِ أولئك الغرباءِ الذين لا نعرفهم.

يتميّز الكتاب بأمثلته الصّادمة الجريئة، والتي تحايلت في إخفائها، وهي عاملٌ مهمٌّ في اقناعك لتقرأ الكتاب.

فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.