عن أحقيتي بالفشل أحكي!

عن أحقيتي بالفشل أحكي!

لفت نظري اليوم منشورًا على أحد منصات التواصل الإجتماعي يستهجن فكرة التحول الوظيفي، أو تحديدًا التحول من تخصص إلى تخصص داخل نفس المجال. لم يكن ما أثار حفيظتي في المنشور فكرة الاستهجان ذاتها بقدر ما كان السبب وراء الفكرة، أن هؤلاء الدُخلاء ليسوا بالكفاءة، أو الموهبة، أو الخبرة الكافية لدخول هذا التخصص الجديد، رُغم دراستهم لمباديء هذا التخصص! من أين ستأتي الخبرة العملية إن لم يُسمح لنا بالتجربة والفشل والتعلم؟

لستُ ممن يحتكر امتلاك الرأي أو أحقية الاعتراض، للجميع حريتهم في تكوين رأي والتعبير عنه. ولكن أليس للجميع الحق في التعلُم؟

حين كنتُ في الصف الثالث الإبتدائي، أتذكر بوضوح حصولي على المركز الثاني بين زملائي في الصف في أحد الاختبارات الشهرية، أتذكر كذلك انهيار عالمي وقتها، لقد شعرتُ بالثِقَلِ على صدري، كدت أختنق من هذا الفشل الغير مسبوق. وعندما قررتُ مغادرة كلية الطب، أحتجتُ ما يقارب الأربع سنوات حتى أتمكن من اتخاذ القرار، خوفًا من أن أوصم بالفشل بين قرنائي، أو بين عائلتي، أو في المجتمع ككل.

وحين بدأت في الكتابة، طاردتني تساؤلات كـ ماذا لو لم أنجح في المجال؟ ماذا لو لم أتمكن من تقديم محتوى قيّم هادف، وممتع في ذات الوقت؟ وإن اخطأت، أين سيكون مصيري؟ هل يجاملني هؤلاء؟ حسنًا لازالت هذه التساؤلات تدور في ذهني، لكنه ليس ما نتحدث عنه الآن. نتحدث عن أحقيتنا في الفشل.

وماذا لو فشلت؟ سأتعلم فقط لو أخطأت. مثل هذا القول “لن تشعر بالسعادة دون فترات الحزن التي تتخللها، كما إنك لن تشعر بطعم السكر دون أن تعرف طعم الملح” كذلك لن أتمكن من النجاح بدون هذا الفشل.

أعتقد أن النجاح ليس في الوصول في حد ذاته، فأنت أبدًا لن تصل لأن تكون ناجحًا وكفى، إن النجاح رحلة، رحلة من الإنجازات مهما كان صَغُر حجمها. لن تصل لأن تكون الأول على السبع قارات فتجد إنك وصلت القمة “وقد نجحت” ولا يوجد ما يمكنك القيام به بعد ذلك، مجرد تساؤلك _حتى وإن كان بينك وبين نفسك_ “ماذا بعد؟” يُعد دليلًا واضحًا على عدم النجاح. النجاح في الطريق، وطالما إنك في الرحلة فأنت مُعرض للخطأ، مُعرض للأزمات النفسية، مُعرض للانتقاد، مُعرض للفشل. الفشل حقك، كذلك التعلم والمحاولة هما حقوقك.

كلٌ منا حُر في تحديد مهنته أو طريقه، وحُر في تغيرهما عدد لا نهائي من المرات. إن رأيت في نفسك الرغبة فجرب، حاول، عافر، ابذل الوقت والمال. إنها أبسط حقوقك.

من وجهة نظري إن السبب الوحيد الذي قد يبرر لصاحب المنشور رأيه _ليس وأنه بحاجة إلى مُبرر، فلكل منا حريته في امتلاك رأيه والتعبير عنه كما ذكرت_ أن منبع هذا الرأي هو خوفه على هذا الشباب الصاعد من التشتت. ولا أظن أن الحل يكمن في حرمانهم حرية التغيير، أو استهجان رغبتهم بالمحاولة، أو استصغار حجمهم وقدراتهم مقارنةً بأهدافهم، بقدر ما يكون في مساعدتهم على تحديد هذه الأهداف والوصول لها.

فلنمتلك شجاعة الفشل. وعندما نفشل، وسنفشل، فلنتأكد أن نتعلم من التجربة. وحين نُقرر التغيير، فليكن عن اقتناع أننا قد بذلنا أقصى ما نستطيع في مكاننا الحالي، وأننا سنبذل أيضًا أقصى ما نستطيع في المكان الجديد، حتى وإن فشلنا أحيانًا.

هدير طارق البدوي صانعة محتوى