فردٌ غير مفهوم!

  • 3
  • 2٬664
فردٌ غير مفهوم!

جدة، المنزل، ١٩ فبراير ٢٠٢١..

سؤال جنّي

تخللني الإحباط لوهلة، وتلبّسني سؤال جنّيٌ أرهق عقلي. ألا وهوّ “هل يوجد من يفهمني تمامًا؟” سئمت شرح نفسي مجددًا ومجددًا بينما يتفنن البشر في إساءة الفهم أو عدم الفهم تمامًا وأنا التي لطالما أُجدتُ التعبير، فماذا عن ذلك الذي لا يُجيد التعبير أصلًا؟ 

يُخيّل لي أني أرتّب فوضاي فتعمّ الفوضى في الخارج ثم يرتّب الخارج فوضاه فتعمّ الفوضى بداخلي وكلُ الفوضى كلام، كلامٌ بهيئات مختلفة لا تتفقُ إلا في صخبها وضياع مقصدها.

هل الفهم شرط في المحبة؟

لا! وهذه الـ لا مؤكدة ومصدرها أنا!

أنا الإنسان الذي يملك قلبًا وعقل، الإنسان الذي لطالما حظيّ بالحب، الود والرحمة ولم يحظى بشرفِ الفهمِ أبدًا. ظننتُ كثيرًا أنني شخصٌ معقّد أو ربما لا أحد يهتم كفاية ليجتهد في فهمي ولكن بعد سنينٍ من الخوض في الحياة أصبحت واعيةً كفاية لتحسس الحب والاهتمام والتقرّب والرغبة في الفهم من الآخر وكل المشاعر المشابهة تلكَ التي لم أرغب في استيعابها أو لم أكُن مستعدةً لرؤيتها سابقًا، رأيتُ كلّ هذا ولم أشهد لحظة تفهمٍ واحدة صامتة ومسالمة في حياتي كلها، كنت أعيش في حلم حين ظننت أن أحدًا ما سيخطفني من هذا العالم الصعب ويخطف حاجتي الملحة للحديث عن طريق فهمِ صمتي وتحسس كلماتي المتعثرة.

تحدّث حتى أراك.

– تحدّثتُ ولم ترني!

حين نضجت استوعبت أنّي أواجه مشكلةً أعتى وأصعب ووقعها أثقل على نفسي ألا وهي أنّ الناس لا يفهمونني وأنا أتحدث أصلًا!

بالرغم من كوني واضحة جدًا في سرد ما أريد قوله حتى أنني أعرف ما أريد وأطلبه بصراحة ووضوح حين أقرر فعل ذلك. ولم أعُد بعدها أقلق من كون أحدٍ لن يفهم صمتي وأصبحت أقلق من كون الناس لا يسمعون وإن سمعوا لا ينصتون وبالتالي لا يقومون بفك شفرة تلك الموجات الصوتية التي تصدر من جهتي وبالتالي لا يبدأون عملية الفهم والتسجيل والأخذ في عين الاعتبار والإدراك بالشكل المناسب أو بالشكل الذي يناسبني مما جعل حياتي أصعب، إنّ أكثر شخصٍ يفهمك في العالم هو أكثر شخصٍ يُنصت لك ويسجل كلامك كملاحظاتٍ بين ثنايا عقله وهؤلاء قِلة، المنصتون فعلًا، المهتمون فعلًا والحاضرة أذهانهم تمامًا أقليّة قليلة جدًا وتكاد تكون غير موجودة.

للفردِ غير المفهوم

يُخلق الفرد منّا ويحيا ويموت دون أن يجِد شخصًا واحدًا يفهمه تمامًا. مرّت سنين طوال على اللحظة التي تصالحت فيها مع حقيقة كثرة أحبابي واستحالةِ أسبابي في إيجادِ شخصٍ يفهمني تمامًا ويعرفُني تمام المعرفة. إنّ الحياة تهدينا الحُب والرحمة دائمًا حتى وإن صعُب علينا استيعاب ذلك أو رؤيته ولكن الفهم الكامل عُملة صعبة وشديدة الندرة وأقرب للانعدام منها إلى الوجود.

عزائي لكل غير المفهومين على هذه الأرض، عزائي للبشرية جمعاء وللبشر فردًا فردًا..

سبأ أحمد كاتبة محتوى