جُدران الخزان أملنا الوحيد، فهل سنطرقها مُجدداً

  • 2
  • 616
جُدران الخزان أملنا الوحيد، فهل سنطرقها مُجدداً
تدوينة: سماح اليونس
 
هُناك، في الأُفق البعيد، المليء بالحياة، كثير الأموال، ذاك الأُفق الذي لاحت رايتُه لكُلّ فلسطيني، أو بالأدقّ تفصيلٍ لمن تهَجّر وعاش بالخيامِ المُمزَّقة، طريقٍ وَعر، وخطوات وئيدة آبية الذّل والجوع، في الصّحاري الشاسِعة، وتحت أشعة الشّمسِ الحارِقة اللّاهِبة، ذرات الماء القليلة في قارورتهم، عَدا عن الثّيابِ المُهترِئة السّاترِة لعورات صمت العُروبة الفاضِحة. 
 
لاجئ، مُهجّر، ابن الخيام، سُكان الثّمانيةِ والأربعين، كُلّها كلمات عنصريّة نُشِرَت في وقتٍ كان العالم يحتفل بحُريّته، حينها حمل الفلسطيني ثِقل بلده في جوفِه، وقرر مخاضها في الخارج، ليخرج من مُسمّى اللجوء، ليتحرّر من الخيمة وظروفها القاسية ويركض في عنان الحياة التي حُرِم منها، ليرفض الذّلّ الواقِع عليه قسرَاً، ويفيض بحُريّةٍ يفوح عطرها هُنا وهُناك . 
 
اللّام والألف ويليهما الجيم والألف المقصورة، مجموعهم كلمة لاجِئ، مجموعهم تخاذُل أُمّة وتواطُؤ حُكّام لا زالت تُطارِدهم لعنة أطفال الخيام ونساؤُهم، كُنت أتساءَل سبب قُصِر نقاط الياء وبقاء هيكلها، بعد كثير من البحث عن إجابة تكفِ جُعبتي، توصّلت إلى عبارة إلى أنّ اختفاء النّقاط عن هذه الكلمة ما هو إلّا إثبات لأنّ الكلمة بقيت وحدها، بقيت حُرّة في وقت أسرِها، وقويّة لقلّة حيلتها، تحليلي ليس منطقيّاً على الأقل وجدت سبباً يُعبّر عن التخاذُل الذي حلّ ولم يحِلّ إلى الآن … 
 
أمّا عن عِملاق الكتابة الفلسطينية المُتحدّث باسم اللّاجئ والشهيد والأسير، غسّان كنفاني، في إحدى أعماله “رجال في الشمس” طوال الرّواية بقي مُتسائِلاً عن اللذين هاجروا-بمحض إرادتهم- أثناء طريقهم جلسوا في الخزّان، الجو لاهبٌ في الصحراء، فماتوا، صمتوا، ورضخوا لحرارة الخيانة التي سمحت لهم بالهجرة بالسّر، سمحوا للموت يقتحم صفوَهم وسط حرارة كانت حرارة الموت أعلى من حرارة الجو. 
 

جُدران الخزان وحروب السّلام 

بينما بقي السّؤال دارِجاً على لسانِ كُلّ عربي قرأ الرّواية، أو كُل رجلٍ شريفٍ آبٍ للهوان، فمعلمو اللّغة العربية فسروا السؤال باستسلام الرّجال واختيارهم الموت عن الحياة المُذلة المكتوبة لهم، أو بمعنًى آخر رفضهم للذّل الذي ينتظرهم ما بين الجوع والمفارقة بينهم وبين أبناء الوطن الأصلي، عدا عن حرمانهم من الكثير من الامتيازات، رُبّما تفكيرهم كان هكذا، لا ندري !! 
 
أمّا نُقّاد الأدب قالوا بأنّ غسّان اختار مصيرهم الموت ليُخبر العالم بأن الفلسطيني أينما حل لحِقه الموت، ليُخبر العالم بأن الفلسطيني كيفما أراد بحياة جديدة رغيدة كان الموت يهُروِل إليه أكثر فأكثر… 
لكن اليوم ليست مُشكلتنا الوحيدة جُدران الخزّان، فذاك الخزّان كان مكاناً آمناً احتمى به الرجال، كان مكاناً دافئاً بالرّغم من حرارته القاتلة، وجُدران الخزان تفككت وانصهرت، فلم تعد جدران الخزان تُقرَع عند الشمس أو الزمهرير. 
 
اليوم الفلسطيني يُكابِد مرارة أوراق السلام، التي سمحت للمُحتل بنهب وأخذ واختلاس ما بقي من حيلة هذا الوطن، أوراق السلام المليئة بالكلام تخاذلت أمام أطفال الخيام، نسيَت حقوقهم ورُبّما أقلامهم لم تنادِ باسمهم من الأساس، كان مُجرّد حبر ينسج أحلام اللّاجئ، ينسج أحلام الطفولة الوردية التي لم يُعاصروها. 
 
اليوم الفلسطيني يواجه صفقة القرن بمرض انتشر حول العالم، وهُنا اتضحت اللّعبة… كيف يواجَه المرض الأصلي المنتشر على حدود فلسطين وفي جوفها بمرض اصطُنِع في إحدى المختبرات حول العالم؟ وكيف نسيَ العالم صفقة العار بالمرض؟ قرار الضم، هل سهل الفايروس عمله؟ 
 
والكثير من بحر الأسئلة التي لا إجابة لها، ما يمكننا قوله أن انتشار المرض سهّل الكثير على الاحتلال، كيف ذلك؟ 
حينما تعطّل الجميع عن عمله وجلس في بيته، كانت الفكرة الأساسية التي تغزو فِكر أرباب البيوت كيف سأُطعِم أفراد أُسرتي، وماذا عن غداً، فهل سيكفينا كيلو الخبز هذا أم سنحتاج غيره، في حال أُغلِقت بقالة جارنا فمن أين سأجيئ بكيلو آخر! 
 
ما يُمكننا قوله أن الاحتلال نجح في تلاشِ فكرة النضال ومواجهة صفقة القرن بمسكه لأيدي الشعب من يده التي تؤلمه وهو قوته وقوت عائلته…  لكن الأمل الذي تربينا عليه محفوفاً بمقاومة المُحتل، و نزعه عن أرضنا، صراعنا معهم مستمراً، ولن يتوقف حتّى الموت، فإن رحلنا فأولادنا يحملون الحجر والرصاص لمواجهتهم، طوال عمرنا نصارِع المُحتل وحدنا، بدمنا وأرواحنا وأعمارنا، لكننا الآن نسير نحو مرحلة مخاضها عصيب، مرحلة مجهولة المصير، لا نعرف ماذا سيحل بنا، وإلى أين سنصل؟ 
 
البعض يتوقّع بانفجار انتفاضة شعبية رافضة الذل والرضوخ، والآخر يتوقع سريان قرار الضم كما غيره، هبّة جماهيرية عمرها أيام معدودات وتعود الحياة إلى مجاريها، وهنا يكمن دور الوعي السياسي بما يتبع قرار الضم، ودور الفصائل الوطنية، فإما فلسطين من النهر إلى البحر للفلسطينيين، أو نصفها للفلسطينيين ونصفها لليهود -دولة سلام- وهذا سيكون كحلم إبليس بالجنة …
 
 
مدونات أراجيك ناشر

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.