لماذا تعمل المرأة يا تُرى؟

لماذا تعمل المرأة يا تُرى؟

هذا المقال مستوحى من أحد الردود على منشورٍ ما يستنكر فكرة السعي وراء الوظائف دون احتياج مادي لها. فهذا ردٌ على الرد، والذي بالمناسبة أحترم شخص الأستاذة صاحبة الرد.

نقدم بفكرة قد تبدو بعيدة عما نريده هاهنا، لكنها أول نقطة في الرد، وهو الحديث عن سوء العمل (نعم ليست خطأ مطبعي). لم نستيقظ يومًا ما لنكشتف أن سوق العمل هو رأسمالي استغلالي فقط عندما دخلته المرأة، لكن وجودنا في نظامٍ ما سيئ، لا يعني أن نشجعه في الاستمرار.

وهذه من مساوئ أن تتحكم الجماهير بلسوكها الأناني في قرارات المجتمعة لعلة الأغلبية فقط. المنتجات الأكثر انتشارًا ليست بالضرورة هي الأفضل كما يدَّعي أصحاب فكرة “السوق الحر”. وهذا هو حالنا في أغلب مراحل حياتنا، نُحاط بالكثير من الأنظمة السيئة، فما يكون منا إلا أن نشجعها أكثر فتنتشر. سوء في النظام التعليمي، الاقتصادي، المجتمعي، فنسايره حتى يُصبح الوضع “نبوءة ذاتية التحقق”.

تطلب طعامًا أكثر مما تحتاج بحجة العروض، فتزداد العروض المشجعة على الاستهلاك، فتطلب العروض الأكبر، وهذا تتراكم كرة الثلج. أحكي موقفًا حصل عندما خاطبتُ أحد الكُتَّاب في سوء تأليف الكتب بالعامية. فيُبرر ذلك بأن المجتمع أصلا ضعيفٌ في اللغة العربية، ثم أضاف أنه ليس من دوره أن يُصلح الكون. صحيح ليس دوره إصلاح الكون، لكن على الأقل لا يكن مُساهمًا في إفساده. بدلًا من محاولة رفع كفاءة المجتمع اللغوية، نشجعه أكثر بتوافر “الكتب” بالعامية رامين باللوم على المجتمع نفسه. فتظل في تلك الحلقة المفرغة من السوء، بل وتزداد بسبب تشجيعك على تلك السلوكيات.

نعود إلى فكرة سوق العمل وما فيه من تجاوزات، بالتأكيد الكثير من الوظائف استغلالية بشكلٍ كبير. فالوضع الطبيعي إذن ألا يلجأ إليها الشخص بقدميه إلا في حالة الاضطرار. وهو الوتر الذي تلعب عليه الشركات، متقدمين أكثر للوظائف يعني استغلال أكثر. إن لم تقبل بتلك الوظيفة المُجهدة، وعدد ساعات العمل المُبالغ فيه، في مقابل هذا المرتب الضئيل، فهناك ألوفٌ غيرك.

بين النسوية والرأسمالية

وجود التشابك ما بين الأفكار المدفوعة بالأرباح، وما يبدو في ظاهره “تمكينٌ للمرأة” هو ما خلق علاقة التكيف تلك. هناك العديد من الأمثلة؛ فبعد تشبع سوق السجائر من المشترين، مع الرغبة في زيادة الأرباح المستمر. لجأت شركات التبغ إلى تسويق فكرة التدخين للنساء، باعتبارها رمز من رموز القوة والتمكين والمساواة. لماذا تتركين الرجال يُدخنون وحدهم، أنتِ لستِ أقل منهم. بدأ يُدفع إلى الممثلات وبطلات الأفلام إلى التدخين وإظهارها على أنها رمز لقوة المرأة، وهكذا دخلت شرائح جديدة في السوق.

وبعدما تم اختراع موانع الحمل، أصبح التشجيع على قيمة العمل هو الصيحة، لا “عوائق” أمامكِ الآن، يُمكنك العمل بكل “حرية”. العمل لساعاتٍ مطولة مجهدة دون أن تشغلي نفسك بأعباء الأطفال والأمومة، فأنتِ لستِ أقل من الرجل.

ثم لحظة، نموذج الأسرة هذا لا يُعجبنا، ما معنى وجود معين وحيد للأسرة المكونة من 4 أفراد يعيشون تحت سقف منزلٍ واحد. لماذا أسرة أصلا؟ لماذا لا يعيش كل فردٍ في منزلٍ خاص، ويحتاج كل فردٍ إلى العمل. نعم نعم، إنها الاستقلالية، للتحرر من قيود الأسرة والزوج والأطفال.

لكن الاستقلالية تعني تحمل المسئولية، أليس هذا جيدًا؟ سؤالٌ جيد يا هذا. عندما نقول رجلٌ مستقل، رجلٌ متحمل للمسئولية. ما هي الصورة الذهنية؟ رجلٌ ناضج يعمل ليُغطي احتياجات أسرته مثلًا. ماذا عن إمرأة مستقلة؟ هل تتخيل الآن إمرأة وحيدة ذات وظيفة ومنصب لا تحتاج إلى زوج ولا أطفال؟ لماذا هذا التباين، ولماذا أصبحت الاستقلالية مضادة للأسرة.

لماذا يعمل الناس أصلًا؟

هنا نرى تباين آخر في حق الرجال والنساء. الأصل في الوظيفة أنها مورد رزق، بديهيات أليس كذلك! وقد يُضاف إلى هذا المورد مميزات أخرى كأن تكون هذه الوظيفة داخلة في الاهتمامات الشخصية، وتحقق شعورًا بالقيمة لدى الشخص، وله فيها مئاربُ أخرى.

لولا المقابل المادي لأُهمِلت العديد والعديد من الوظائف، ولتقلصت ساعات العمل – لا أبالغ إن قلت أقل من النصف – . وللأسف ما يتم استغلال الأرقام الإحصائية في غير محلها، فيُقال لك أن 30% من الأسر تُعيلها النساء، فالنساء تعمل لكي تصرف على المنزل، لأن الرجال “كُتع كسل كُسح” أليس كذلك! لكن تكتشف الحقيقة بأن 70% من تلك النساء هن أرامل أصلًا. هن يبحثن عن لقمة العيش، لا إثبات ذواتهن وتحقيق نجاح في المسار المهني حتى لا يُقال أنهن أقل من الرجال.

“قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاع وأبونا شيخٌ كبير”

العمل بوصفه قيمة للإنسان

نجد دولة من اليابان تُظهر ترابطًا بين الانغماس في عمل، وفقدان القيمة في الجوانب الأخرى، بداية من جانب الأزمة الوجودية، فتحتل اليابان المرتبة الثانية في الدول الأعلى إلحادًا. مرورًا بفقدان قيم أخرى كالزواج والإنجاب والعلاقات الاجتماعية.

بالفعل أن العمل بشكلٍ عام يُحقق قيمة للإنسان، ولكن حصل ذلك في مفهوم الوظيفة يؤدي إلى خلل. يُمكن للإنسان أن يُحقق الكثير من خلال:

  • الهوايات
  • المُسابقات العامة
  • أنشطة التطوع المتعددة
  • أخذ الدورات والتعلم المستمر
  • افتتاح مشاريع خاصة، وغيرهم..

وكل هذه الأشياء ليست معايرها الأول والوحيد المقابل المادي. فالحصول على جائزة نوبل ، ليس مدفوعًا فقط بالجائزة المادية، وإنما بالقيمة العلمية لتلك الجائزة.

أما الخلل يطال بلا شك الوظيفة التي يقبل الشخص بها مع درجة كبيرة من الضغط فقط بسبب ذلك المقابل المادي. ولو طالت أي من تلك الشروط هواية ما، أو نشاط تطوعي لتخلف عن الركب العديد من الأشخاص.

أتقصد بأن الطبيب والمعلم هم أشخاص تحركهم المادية البحتة؟ قطعًا ليس هذا مرادي. أنا على يقين من أن هناك دوافع قيمية ليس في تلك الوظائف الحيوية، وإنما حتى في الوظائف الفنية. مثلا المصممين، والرسامين هم شغوفون بهذه المجالات. لكن الأغلبية منهم وبالأخص في بداية مسارهم المهني، سيقول لك أنه يقبل العديد من المشاريع وهو شبه غير راضٍ عنها بسبب المقابل المادي. والمتطوع في عملٍ ما، حتى لو كان مجهدًا كأنشطة بناء الأسقف وتوصيل مياه الشرب وغيرها، هذا المتطوع يعلم أنه مهما طالت فترة عمله فهي وجيزة. لم أسمع قطع عن تطوع فيه عملٌ لـ8 ساعات (5 أو 6 أيام أسبوعيًا) في مدة لا تقل عن السنة، بينما هذا هو المتوقع في الوظائف.

ماذا عن التقدير المجتمعي؟ الحقيقة لا أرى عن أي تقدير مجتمعي يبحث عنه موظف المبيعات الذي يقضي 10 ساعات من يومه في تلك الوظيفة! وحتى الترقيات والمنصاب، الأصل أنها مدفوعة بالرغبة في الاستزادة من الأموال.

أتعلم أن المرأة أيضًا إنسان تحتاج إلى المال؟

من المفترض بأن ردنا هذا كان في إهمال البديهية التي تقول (وظيفة = مقابل مادي)، وليس لمجرد ملئ فراغٍ، أو تحقيق قيمة من العمل أو المساهمة في المجتمع وما إلى ذلك..

لا ننكر أبدًا على أي شخص يريد العمل حتى ولو من باب الاستزادة من الماديات، ولكن علينا أن نكون حذرين في ذلك، رجالًا ونساءً. يجب أن يكون هناك موازنة مستمرة بين الأولويات. لا أرى وجه معنى في الأب والأم اللذان يعملان ليل نهار للحصول على مرتب يدفعونه لأشخاصٍ غرباء في مقابل تربية أبناءهم!!

  • أنت أبله، ألا تعلم شيء عن أسعار مساحيق التجميل، إنها تحتاج إلى ثروة.

أتعنين تلك المساحيق التي تستهلكينها يوميًا للذهاب إلى العمل!!!

  • أنا أقل واحدة في صديقاتي لديها حقائب، عندي 10 حقائب فقط.

الحق أن امتلاك الموارد ليس مبررًا للإسراف، أذكر تعليقًا أعجبني في حادثة تبرع سيدة بذهبها كله لأحد لعيبة الكرة. وأننا في منظومتنا لا نترك السفيه على حاله لمجرد توافر الوسائل له. وأنا أعلم بأن مسألة التجمل والمستلزمات التكميلية هو أمرٌ نسبي، لكن لا يخفى علينا أن زيادته ليست نسبية.

حالة التشجيع المستمر على الإسراف والشراء والاستهلاك جلية، أذكر مثلا برنامج خواطر الذي أذاع عدة حلقة عن كيف تغيرت حالة المجتمع تجاه الاستهلاكية الشديدة، فوصل حتى إلى الاستدانة من أجل الشراء. الجمعيات هي استدانة، البطاقات الائتمانية هي استدانة، وعدم التنبه والتساهل مع فكرة الدين هذه خطيرة. متطلبات الزواج أصبحت مبالغ فيها بقدر لا يُوصف، وكم المشتروات – حتى في البيئات الفقيرة – مهول.

وبالتأكيد يدخل في هذا الكلام الرجال، منهم من يريد تغيير هاتفه كل بضعة أشهر، ويدخل إلى المطعم فيطلب أطنان من الطعام سيُرمى جلها ظنًا منه أن هذا كرم، أو أيًا من المبالغات اليومية. ولكن نخص بالذكر النساء لأنهن المسئولات عن 70% من قرارات الشراء.

صمام الأمان

هل من الآمن أن يكون الرجل فقط هو الشخص المُعيل في الأسرة؟ والحقيقة أن هذه النقطة هي من أضعف الحجج، حتى أن المثال المذكور ها هنا كان جائحة الكورونا، وفقدان الكثير لأشغالهم. لكن ثواني، ما علاقة هذا أصلا بالموضوع! فهل الكورونا كانت تُصيب فقط الرجال!

ثم ما معنى ضرورة وجود “لعيب بديل احتياطي”.. كل شيء في الحياة وارد، وارد سقوط منزلنا، إذن هل نشتري منزلان حتى نكون في حيز الأمان! وارد تعطل التلفاز، فهل نشترى إثنان!

لماذا تعمل النساء يا تُرى؟

أجد نفسي لا أزال في صف صاحب المنشور، لا أرى معنى للتدافع في سوء العمل – كما كتبها – دون حاجة إلى المعنى الأساسي من معاني الوظيفة، المرتب.

لا يُفترض بهكذا وظائف أن تكون لمجرد شغر الأوقات، أو الحصول على شعور “ما” بالاستقلالية. فإن كانت المصانع والمكاتب والمحال التجارية والصيدليات والبنوك لا تُراعي الظروف النفسية للمرأة مثل الدورة واكتئاب ما بعد الولادة، ولا تتوافر فيها أماكن للرضاعة أو العناية بالأطفال. فلماذا تسعين وراها دون حاجة مادية لذلك!

  • آه.. إذن أنت ترى المرأة تُزاحم الرجل، فالحل هو أن تجلس في البيت، لماذا لا نقتلها أفضل حتى لا تزاحمه حتى في الاكسجين؟

نعود إلى ما بدأنا به، الوظيفة هي احتياج للمال، لا للعمل ذاته وما يترتب عليه. فالمزاحمة فيما لا حاجة له لا أرى فيه أي معنى! ويكاد هذا يندر في الرجال. إن حتى ميسوري الحال منهم يفتتح لنفس مشروعًا خاصًا ليعمل فيه.

فهنا نعيب عقلية سلبية نفسها، حتى في أقل أقل القليل. فمن المعيب مثلا ما أراه في المواصلات من تدافع وتزاحم بغض النظر عن دفع النساء، أو التسبب في جعل كبار السن ينتظرون أكثر.. فما يكون مني إلا أن أنأى بنفسي بعيدًا عن تلك المعمعة. فحتى لو كنتُ متأخرًا عن موعدي، فتوفير تلك الـ5 أو الـ10 دقائق أنا مستغنى عنها في مقابل ألا أدفع الناس بيدي وبجسمي بتلك الطريقة التي نراها!

في النهاية، أعتذر لو كنت حادًا في بعض النقاط، وأنا لا أقصد الإساءة إلى أي شخص، وبالأخص النساء.

أحمد عبد الناصر كاتب