بالسكر قررت إزهاق حياتي، ويا لها من كوميديا..

  • 2
  • 528
بالسكر قررت إزهاق حياتي، ويا لها من كوميديا.. - أحمد سامي

نادرًا ما أكتب في جوف الليل حكاويّ، لكن هذا استثناء، لأنني منتشٍ اليوم، وفي انتشائي غصّة.. كالعادة..

الموسيقى الحزينة تدغدغني كأنامل المعشوق في فراش الحب. رقيقة، رشيقة، ومُدببة الأطراف، تغرس في جلدي حتى العظام. في أحزاننا فرحة، هذا لا يمكن إنكاره، الحزن يُرينا ما نحن قادرون فعلًا على القيام به؛ أن نتقبل واقعنا لدرجة حزننا على  ما كنا لنفعله لولا نخر الآلام فينا.

وبما أنني موسيقيّ حتى النخاع، لما لا تسمع هذه الأغنية بينما نُكمل حديثنا سويًّا؟!

حديث مع النفس؟ ربما.

وربما أيضًا حديث معك، حديثٌ يذكرني بما مضى، جاعلًا إياي أكثر حزنًا، ومستشرفًا لما سيأتي.

أتدري يا عزيزي، الحياة دائمًا ما تنكل بنا، لكن نحاربها بالموسيقى، إنها الفن الأسمى فوق كل الفنون، لا يوجد أجمل من تعبير أحدهم عنك بالكلمات والنوتات الموسيقية. شخص ربما مات الآن، لكن في ألحانه وجدت نفسك؛ نفسك الحقيقية التي لا تُظهرها للناس في العادة. لماذا لا تظهرها؟ ببساطة لأنهم سينبذوك تمامًا، جاعلين إياك مجرد كمٍ مُهمل متروكٍ لخنازير البريّة لتنبش فيه بحثًا عن طعام، ثم تنهشه ولا تتركه إلا جيفًا يحوم الذباب حوله وتأبى ديدان التربة التغذي على عصارته.

الاختلاف لعنة، خصوصًا في مجتمع يرفض الاختلاف. في الكثير من الأحيان، الطقوس والممارسات الفلكلورية تجعل الناس حانقين على الدوام، وكأن تلك الطقوس إلزامية على الجميع، والإذعان لها يعني الانضمام أسفل راية الحق، وعدم الانصياع لها يعني العكس. في الواقع، لا يوجد شيء ثابت، ليس لدينا إطار مرجعي راسخ يُعتمد عليه في ظل الاختلاف الأيدولوجي الذي نعيش فيه الآن من منبت الشعر وحتى أخمص القدم. في الماضي كان أسلافنا يتناحرون في البريّة كالحيوانات، وقتها لم يكن هناك إطار مرجعي.

بالسكر قررت إزهاق حياتي، ويا لها من كوميديا..

لاحقًا نشأت الحضارة الأوليّة، حينها كان الإطار المرجعي هو إطعام الجميع، وأي شيء سوى الطعام كان ثانويًا. فإذا أجبرك الآخر على أكل لحم حيوانٍ ما، فستأكله، لأنه ليس من حقك الرفض، هذه ليست أولوية حضارية بعد. الآن نحن في المرحلة الحديثة من الحضارة، المرحلة التي فيها حقوق الإنسان هي الأولوية، وعدم فرض الطعام المعين على الآخرين هو الصحيح. لكن إذا خلعنا عن أعيننا العوينات البرّاقة وارتدينا الداكنة لوهلة، سنجد أن مجتمعاتنا العربية تنصلت من الحضارة الحديثة، وفضَّلت – بمحض إرادتها – البقاء في الظلام.

المشكلة فعلًا ليست في البشر، بل في آلية تحليل الأفكار التي يستقيها البشر من البيئة. الإنسان يولد فارغًا، لا شيء في عقله، لا أيدولوجيات، لا أديان، لا أحزاب، لا طبقات مجتمعية، لا لون بشرة، لا عنصرية، لا شيء، مجرد صفحة بيضاء تبدأ الطبيعة في نقش رموزها عليها. هناك من يحالفهم الحظ وتكون بيئتهم ناقشة لرموز إنسانية، وآخرون عثروا الحظ، تُنقش على صفحاتهم رموز بربرية. لكن أتدرون من الأسوأ حظًا من النوعين؟ أجل، إنه الذي نُقشت عليه رموز البربرية، ثم تدارك أنها كذلك، وقرر نزعها عن جلده بسكينٍ باردة.

وقتها فقط يجد نفسه أمام حائط المجتمع مرة أخرى، نفس الحائط الذي يجعلنا نتحدث عن آلية تحليل الأفكار من جديد. هذا الشخص أخيرًا استطاع إعمال آلية منطقية للتفكير، وتدارك أن العالم من حوله عبارة عن مستنقع كبير لا تكف فيه يابسة عن النقيق ولا تنفك فيه سماء عن النعيق. الهروب من المستنقع صعب، بل ويستلزم تحمل بطش وتنكيل أهل اليابسة والسماء، فقط للوصول إلى يابسة وسماء آخرين، تكون فيها أصوات النقيق والنعيق أخف وطأة على الآذان بعض الشيء.

هناك من يأخذ على عاتقه مهمة إنقاذ نفسه من المستنقع، متحديًا أهل اليابسة والسماء، لينظر إلى الأفق البعيد، دافنًا شبابه، حالمًا بمستقبلٍ أفضل. وهناك من يقرر الاستسلام، وقتها يعمل على محاولة تعلم النقيق والنعيق. والنوع الثاني هو الأكثر بؤسًا، أتدرون لماذا؟

لأنه إما يكون ممثلًا بارعًا، أو فاشلًا بجدارة. البارع يستطيع الكذب على أهل المستنقع، باغضًا إياهم في دخيلة نفسه، بينما الفاشل سيحاول ويحاول أن يكون مثلهم، متمنيًا تسلق السلم الاجتماعي والوصول لمنطقة غير قذرة في المستنقع، لكن دائمًا ما يُكشف ستاره ويدخل في دوامة الاكتئاب والحسرة، ليُدرك فعلًا أنه محكوم عليه بالإعدام في نفس المستنقع، وللأبد.

بالسكر قررت إزهاق حياتي، ويا لها من كوميديا..

فكرت كثيرًا في الانتحار، حتى أنني جربت في مرة، لكن مهلًا، أنا أجبن من الإتيان بمشرطٍ ما وقطع معصمي كما يفعلون في الأفلام، أنا فعلًا جبان. في الواقع جربت الانتحار بمزيجٍ من السكر، السكر، وأيضًا السكر. شربت زجاجتيّ مياه غازية عاليتين في السكر والسعرات، مع كعكة كاملة دفعت فيها 30 دولار بالتمام والكمال، مزركشة بالكريمة البيضاء والكرز وحبّات البسكويت المكسوّ بالشوكولا الداكنة.

أردت أن تكون نهايتي سعيدة.

وأنا بالطبع كفرد مُشخصّ بمرض السكريّ، لا يوجد ما هو أثمن عندي في الحياة من السكر، أليس كذلك؟

وقد كان، القطعة خلف القطعة، الدفقة خلف الدفقة، وسرعان ما بدأت الغرفة تدور من حولي، وسقط في هاوية لا قرار لها، هاوية أفكاري بمعنى أصح. فيها وجد من فارقني ولم أستطع اللحاق به، ابتسمت في قرارة نفسي، وقلت أنني آتٍ إليك يا حبيبي لا محالة، فالحياة قاسية من دونك على كل حال. بتثاقل رأيت الغرفة مجددًا، انزعجت جدًا، فشلت محاولة الانتحار، أهلي نائمون بالداخل، وأنا ما زلت في مكاني.

سمين.. أخرق.. مغطى بالكريمة والكولا.. ونادم على محاولة ليتها قد نجحت..

لماذا أكتب هذا الكلام؟ لا أعلم في الواقع، ربما لأمنع نفسي من محاولة فاشلة أخرى، الأمر كوميدي للغاية فعلًا. تخيل أن تُزهق حياتك بالحلوى والسكريات؟ الأمر ساخر، بل تعدى حدود البكاء ضحكًا حتى.

ربما سأموت هنا، في المكان الذي يُطلقون عليه “الوطن العربي”، وربما سأستطيع الهروب، لكن سواء كانت نتيجتي هي الأولى أو الثانية، فأنا متيقن من موتي بالفعل، فلا يوجد أحد بكامل قواه العقلية ليسطر أطنان الحزن الذي سطرتها حتى الآن وأنت تحملتها معي، والتي ربما سأسطرها حتى تنتهي حياتي.

تمنيت فعلًا أن يكون لي صديق أكتب له رسالة انتحاري الأخيرة، قائلًا فيها أنني ذاهب نحو الربيع أو ما شابه. لكن للأسف، لا يوجد هذا الصديق، ولا يوجد ربيع لمن هم مثلي.

وداعًا.

أحمد سامي معلم

كاتب وبيولوجي سكندري، مُهتم بالعلوم والفنون. مُحب للثقافة اليابانية، خصوصًا فنيّ الأنمي والمانجا.